قبل سبع سنوات، قدّر رئيس بلدية الغسانية (قضاء صيدا) عباس فوّاز المتر البيعي في العقار الرقم 6 في البلدة الجنوبية بنحو خمسة آلاف ليرة لبنانية «نظراً الى انحداره الشديد وبُعده عن المنطقة السكنية» وفق إفادة صادرة عنه (رقم 11ر/2013 تاريخ 19/1/2013).

إلا أن العقار «المنحدِر» نفسه تملّكه بنك التمويل ــــ المملوك جزئياً وبشكل غير مباشر من مصرف لبنان عبر شركة «إنترا» ــــ العام الماضي مقابل 150 دولاراً للمتر، وفق تخمينات لجنة الرقابة على المصارف التي كان يرأسها سمير حمود حينها.
وبنتيجة التخمينات التي طالت العقار الرقم 6 (إضافة إلى 26 عقاراً آخر)، يتبيّن ــــ وفق حسبة تقديرية ــــ أنّ نحو خمسة ملايين دولار «وُهبت» لفوّاز، «بالتواطؤ مع خبراء التخمين في مصرف التمويل ومسؤولين في لجنة الرقابة على المصارف»، بحسب ما أكّدت مصادر مطّلعة على الملف لـ«الأخبار».

(حسن بليبل)

وفي التفاصيل، كما ترويها المصادر نفسها، فإنّ فواز كان مديناً لمصرف التمويل الذي تملّك العقارات الـ 27 في منطقة الغسانية (إضافة إلى العقار 1079 في منطقة الصيفي)، بعدما منحه الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف السابق الموافقة الإدارية، من أجل استيفاء جزئي للدين بموجب أحكام المادة 154 من قانون النقد والتسليف». ووفق المصادر نفسها، «ساهم الفارق في تسعير المتر البيعي في تلك العقارات في تضخيم حجم الدين المشطوب خدمةً لفواز المحسوب على إحدى الجهات السياسية. وبذلك يكون قد سدد، مثلاً، نحو ثمانية ملايين دولار من دينه لقاء عقارات لا يتجاوز سعرها الفعلي ثلاثة ملايين دولار».
ولعلّ ما يُعزّز هذه الرواية، وجود عدة تقارير أعدّها خبراء تُفيد بأن سعر المتر الواحد من كل هذه العقارات لا يتجاوز 22 دولاراً حداً أقصى. فقد ورد في تقرير للخبير المهندس فؤاد عثمان، في أيلول الماضي، أن تخمين سعر المتر الواحد من العقار الرقم 6 والعقارات التي تحمل الأرقام من 873 إلى 898 من منطقة الغسانية العقارية، يتراوح بين 17 دولاراً في حده الأدنى و22 دولاراً في حده الأقصى». كما يقدّر تقرير للخبير لدى المحكمة الابتدائية في الجنوب محمد بدر (2/3/2013) ثمن المتر الواحد في العقار الرقم 6 بمبلغ 7 آلاف ليرة لبنانية، فيما يقدّر تقرير ثالث للخبير المهندس لدى المحكمة الابتدائية في الجنوب لطف الله تويني (9 نيسان 2014) سعر المتر المربع من العقار بعد إفرازه بـ 30 ألف ليرة لبنانية.
أمّا المُفارقة الأساسية فتبقى في أنّ هناك إفادة صادرة عن رئيس البلدية نفسه، تُقدّر فيه البلدية سعر المتر البيعي في العقار الرقم 6 بحوالى خمسة آلاف ليرة لبنانية.
مصادر قانونية قالت لـ«الأخبار» إن القانون يحتّم على المصرف أن يُصفّي الممتلكات التي يحوزها بهدف استيفاء الدين، فيما تُفيد المعلومات المُستقاة من عدد من أهالي البلدة بأن العقارات للبيع عُرضت «إلا أن أحداً لم يرد شراء أرض ميتة». ويحشى هؤلاء من تداعيات «الصفقة». إذ إنها رفعت من أسعار العقارات المجاورة التي «تتمتع حكماً بميزات أكبر، فأيّ قدرة لأهالي البلدة على تملك عقار في بلدتهم حالياً، ومن يمكنه شراء عقار بمثل هذه الأسعار في ظل الأزمة الحالية؟».
فواز أكّد في اتصال مع «الأخبار» أن العقارات المذكورة «ممتلكات خاصة ولا علاقة للبلدية بتسعير المتر البيعي. إذ إن خبراء البنك هم من خمّنوا»، واضعاً الأمر في سياق «التصويب السياسي»، ومُشدّداً على أن قرضه من بنك التمويل «بالليرة اللبنانية... ولا صحة لمسألة التسعير بالدولار».
خمّنت لجنة الرقابة على المصارف سعر المتر بـ 150 دولاراً فيما لا يتجاوز 22 دولاراً في حدّه الأقصى


جوهر القضية يتعلّق في شكل أساسي بتقاعس لجنة الرقابة على المصارف عن تأدية دورها في مراقبة عمل المصارف للحؤول دون «تركيب صفقات» يكون نتاجها الحتمي إفلاسها. وفي المعلومات أن اللجنة حققت في هذه القضية وأحالتها إلى الدائرة القانونية، فيما امتنع المعنيون فيها عن الرد على استفسارات «الأخبار» عن مصير هذا التحقيق.
يذكر أنّ المحامي محمد علي زعيتر وجّه كتاباً إلى اللجنة بواسطة الكاتب العدل في برج البراجنة محمد حمادة (تم تبليغ اللجنة بتاريخ 19 أيلول الماضي)، يطلب فيه وفق قانون حق الوصول إلى المعلومات تزويده بـ«كافة المُستندات والأوراق والتخمينات وكل قرار صادر في ما خصّ العقار الرقم 6 والعقارات المفروزة منه (...) وخصوصاً المُستندات التي حدّدت تخمين بعض العقارات بسعر 150 دولاراً للمتر الواحد».
و«خصوصية» العقار الرقم 6 تعود، وفق الكتاب، إلى أنه كان موضع رهن عقاري لمصلحة مصرف التمويل، لافتاً إلى «وجود تفاوت هائل في ثمن المتر الواحد بين التخمينات المتعددة، ومن ضمنها تخمين لجنة الرقابة على المصارف، ما يُثير الشكوك والتساؤلات حول الاحتيال والإثراء غير المشروع». وبحسب المعلومات، فإن اللجنة لم تردّ على هذا الكتاب ولا على الكتب الأخرى المماثلة التي أُلحقت به.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا