عام 2003، نظم رئيس لجنة الطاقة والمياه النيابية النائب السابق محمد قباني سلسلة ندوات في مجلس النواب عن الطاقة والمياه (والبيئة ضمناً). في إحدى تلك الندوات، التي حضرها المدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك والمدير العام لوزارة البيئة برج هتجيان، طالب الخبراء الحاضرون بضرورة اعتماد استراتيجيات مختلفة للطاقة والمياه والاهتمام بمصادر الطاقة المتجددة وتوليد الطاقة من قوة دفع المياه الجارية الطبيعية ومن الشمس والهواء، فردّ هتجيان ساخراً: «لماذا الاستراتيجيات؟ لدينا معطيات وأرقام ونحن بحاجة إلى خطط واستثمارات وأموال فقط»، فيما لفت حايك إلى أن «كهرباء فرنسا» أعدّت دراسة خلصت إلى أن لا جدوى من الاستثمار في الطاقات المتجددة في لبنان، علماً بأنه لا يمكن أن تسأل مستثمراً في إنشاء المعامل الحرارية عن جدوى الطاقات المتجددة!

في تلك الفترة، كانت قليلة جداً الأصوات التي تطالب باستراتيجيات وسياسات مختلفة للطاقة والمعارضة لسياسات السدود السطحية. لذلك، استمرت الحكومات المتعاقبة في سياسات الاستثمارات المبالغ فيها في التركيز على إنشاء المعامل الحرارية والسدود السطحية، بما يزيد من الديون، من دون أن يحلّ مشكلة النقص في الطاقة والمياه!
ولمناسبة «العودة» الفرنسية أخيراً إلى لبنان، نذكّر بأن فرنسا نفسها التي لطالما اعتدّت بكونها الدولة الأولى في العالم التي تعتمد على الطاقة النووية بنسبة تتجاوز 70٪ لإنتاج الطاقة الكهربائية، واجهت في صيف 2003 ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، ترافق مع موجة جفاف ونقص في المياه، ما هدّد بانفجار المفاعلات النووية لكثرة حاجتها إلى التبريد بالمياه. وقد تسبّب ذلك في فتح نقاش كبير آنذاك حول ضرورة إعادة النظر في سياسات الطاقة. وهو نقاش تجدّد عالمياً بعد كارثة التسرب النووي من مفاعل فوكوشيما الياباني عام 2011، حين قررت غالبية الدول التي تعتمد نظم إنتاج الطاقة النووية إعادة النظر في سياساتها والتوقف عن بناء مفاعلات جديدة. وكانت ألمانيا، قبل ذلك، أول دولة نووية تعلن التخلّي نهائياً عن الاعتماد على الطاقة النووية بحلول عام 2022. صحيح أن كثيراً من هذه الدول كانت تراهن على الغاز الطبيعي كبديل أكثر من رهانها على الطاقات المتجددة، الا أن نسب الاعتماد على هذه الطاقات لم تتوقف عن الزيادة منذ ذلك الوقت، خصوصاً مع الانخفاض المستمر في الكلفة وتطوّر التكنولوجيا التي تصنّف نظيفة.
لم يستطع لبنان، الغني بطاقاته المتجددة، أن يستفيد منها يوماً، رغم أنه، منذ أيام العثمانيين، بدأ بالاعتماد على المياه لتوليد الطاقة. وفي كتابه «نحو سياسة مائية في لبنان»، يلفت المهندس محمد فواز إلى أن إنتاج الطاقة من المعامل المائية كان يشكل 79% من مجمل الطاقة الكهربائية في لبنان عام 1969! وكان يمكن تطوير هذه التقنيات الكهرومائية، الأرخص والأنظف والأطول عمراً والأقل حاجة الى الصيانة بين كل التقنيات النظيفة، من دون حاجة إلى إنشاء سدود ضخمة لتوليدها. ولو فعل، لكان لزاماً عليه ألا يراهن فقط على زيادة مزيج الطاقة من مصادر مختلفة، بل أن يتخلى أيضاً عن وعود انتخابية، غير واقعية ومكلفة، مثل تأمين الكهرباء ٢٤ على ٢٤، ويقرّ بأن عليه أن يتعايش مع فكرة طاقة أقل باعتماد سياسات توفيرية تقنياً وعملياً واستهلاكياً، وضبط زيادة الطلب في مختلف الاستخدامات… وهي سياسة أجدى من زيادة الإنتاج عبر إنشاء معامل حرارية. وإذ لا يمكن الرهان على الطاقات المتجددة لإنتاج أكثر من 30% من الطاقة بسبب الحاجة إلى كثير من الأراضي والمساحات لتركيب الألواح الشمسية أو مراوح الهواء، والى تحسين شبكات النقل ووقف الهدر فيها، تبقى سياسات حفظ الطاقة وكفاءتها هي الأجدى أيضاً، والتي قد تغني عن التنقيب عن موارد ملعونة كالنفط والغاز.

إنتاج الطاقة من المعامل المائية كان يشكل 79% من مجمل الطاقة الكهربائية في لبنان عام 1969

كما تنبغي الإشارة الى أن مطلب صياغة استراتيجيات قبل الخطط لم يكن تفصيلاَ، إذ يتطلب التفكير الاستراتيجي اعتماد مبادئ محددة (لم تطرح يوماً للنقاش) والمفاضلة بينها لتحديد الأولويات وبرامج العمل والخطط. من أهم هذه المبادئ الاستدامة. وهذا يعني المراهنة على طاقة مستدامة كالهواء والشمس والمياه أكثر من المراهنة على طاقات ناضبة حتماً، كالنفط والغاز واليورانيوم، إضافة إلى كونها أنظف وأقل كلفة وتلويثاً. أما المبدأ الثاني الأساسي فيتعلق بأمن الطاقة، إذ رغم أن الطاقة الحرارية النووية أو البترولية أكثر إنتاجاً بما لا يقاس من مصادر أخرى للطاقة، إلا أن مخاطرها أكبر بكثير أيضاً، فضلاً عن ضرورة دراسة التأثيرات البيئية لأي خيار، ولا سيما في الاعتماد على المعامل الحرارية الملوثة. وهنا تجدر الاشارة الى أن اعتماد أوسخ الوقود لتوليد الطاقة مثل الفحم الحجري، يمكن أن يصبح هو الأغلى إذا ما تم الالتزام بالشروط البيئية الصارمة لصناعات كهذه. فحسب الجداول المقارنة الحديثة لأنواع الوقود المستخدمة في توليد الطاقة، يمكن أن يتحول الفحم الحجري، الأرخص والأكثر تلويثاً، الى الوقود الأغلى (136$ للميغاواط/ساعة سعر وسطي)، إذا ما أخذت في الاعتبار كل الشروط البيئية الجديدة.
كما كان على تلك الاستراتيجية المفقودة أن تأخذ في الاعتبار وضع البلاد الاقتصادي والتطور العلمي والمستوى السياسي والإداري فيه، وطبيعة الحكم والحوكمة، ومستوى الفساد. فالبلد الذي لا يستطيع إدارة تلوث تسرّب نفطي بسيط أثناء تفريغ حمولات البواخر في منشآته على الشاطئ، كيف يمكنه أن يضبط تسربات خطيرة أثناء التنقيب أو الاستخراج أو النقل من آبار على أعماق بعيدة في بحر صغير وشبه مغلق كالمتوسط؟! كما أنه كيف يمكن دولة مفلسة وفاسدة سياسياً وإدارياً أن تؤتمن على خيارات كبيرة بتلزيم شركات التنقيب والاستخراج وتوزيع الحصص؟!
تم تلزيم «توتال» الفرنسية التنقيب الاستكشافي، بالتزامن مع وضع الرئيس الفرنسي برنامج عمل الحكومة الجديدة… فهل ستكون مواضيع حساسة مثل «أمن الطاقة» على جدول الأعمال، أم أن ما كتب قد كتب في سلسلة التشريعات التي سلمت الشركات كل المقدرات!؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا