لطالما شكّلت مدينة حمص السورية لأهالي مدينة الهرمل وقضائها السوق والمتنزه، والأهم الطبيب والمستشفى. المدينة الواقعة في أقصى البقاع الشمالي بقيت كذلك حتى اندلاع الأزمة السورية عام 2011. كثير من الهرمليين يتداولون في ما بينهم، حتى اليوم، كيف ضاعت ملفاتهم الطبية في مستشفيات المدينة السورية الجارة وعياداتها. افتتاح مستشفى الهرمل الحكومي، عام 2006، بعد تسع سنوات على وضع الحجر الأساس له في أيار 1997، لم يغيّر من حياة أهالي الهرمل وقضائها. بقيت حمص وجهة هؤلاء. إذ لم يُحدث المستشفى - الحلم فارقاً لجهة تقليص الإهمال الصحي الذي تعاني منه المنطقة. وحتى اليوم، آخر ما يخطر في بال هؤلاء، عند وقوع أيّ حادث أو تعرّض أحدهم لوعكة، أن يقصدوا المستشفى الحكومي. في العادة يمرّون به في طريقهم إلى أحد مستشفيات بعلبك أو زحلة أو بيروت، بحسب حراجة الحالة وقدرتها على التحمّل.

يؤكّد عدد من المعنيين ممن واكبوا تشييد المبنى (بتمويل كويتي) أن المخطط الأساس كان يقضي بإنشاء صرح صحي بمعايير عالية، «إلا أن الإهمال الذي لحق به، شأنه شأن غيره من المستشفيات الحكومية، ساهم على مدى 14 عاماً في الحؤول دون تأديته الدور المؤمّل منه»، وفق مصادر طبية مطّلعة على واقع المُستشفى، تؤكد أن هذا «الصرح» يعاني من «غياب التجهيزات الطبية اللازمة ما يحول دون إجراء العمليات المتوسطة والصعبة. المُستشفى لديه الحد الأدنى من المقومات اللازمة للاستشفاء». وهذا ما يطرح تساؤلات حول الدور الذي يُفترض أن يلعبه المُستشفى في «زمن كورونا» وترنّح القطاع الصحي، وحيث تشخص الأنظار نحو جهوزية المُستشفيات الحكومية وفعالية إداراتها.
وفق أرقام «غرفة العمليات الوطنية لإدارة الكوارث»، بلغ إجمالي الإصابات بالفيروس في الهرمل نحو ستين حالة منذ 21 شباط الماضي. من بين هؤلاء ثلاث حالات فقط أُدخلت إلى المُستشفى الحكومي، لكنها لم «تُقِم» فيه طويلاً، إذ سرعان ما حُوِّل هؤلاء إلى مستشفى بعلبك الحكومي. ومع التسليم بأن المُستشفى يملك الحد الأدنى مما يتطلبه التعامل مع الإصابات بالفيروس (فحوصات pcr ومخفض حرارة وعدد محدود من أسرّة العناية الفائقة)، فإن السؤال هو: لماذا لا يقوم المُستشفى بالحد الأدنى الذي تتيحه له الإمكانات المتوافرة؟
في اتصال مع «الأخبار»، أوضح مدير المُستشفى الدكتور سيمون ناصر الدين أنّ «الهرمل الحكومي» يضمّ 24 سريراً مخصصاً لحالات كورونا، من بينها أربعة للعناية الفائقة. لكنه أشار إلى أن مُستشفى بعلبك الحكومي، خلافاً لمستشفى الهرمل، تتوافر فيه التجهيزات اللازمة لإجراء فحوصات الـpcr، «لذلك نرسل العيّنات إلى هناك لإجراء الفحوصات ويفضل بعض المكوث هناك». وهذا ما يتناقض ومعطيات وزارة الصحة التي تؤكد أن لدى المُستشفى القدرة على إجراء فحوصات الـpcr (ولو أن التجهيزات في بعلبك الحكومي قد تكون أكبر). وفي السياق نفسه، تقول مصادر طبية في المنطقة إن «الهرمل الحكومي» كان «بين أوائل المُستشفيات التي جُهّزت لمواجهة فيروس كورونا، لكن إدارته رفضت فتح أبوابها لغاية في نفس مديرها»! والمفارقة التي تعزّز هذا الأمر تكمن في عدم وجود أيّ مصابين يشغلون أياً من تلك الأسرة حالياً. المصادر نفسها تغمز من قناة أداء إدارة المستشفى المستمرة منذ 14 عاماً، وتحويلها إياه إلى «إمبراطورية وبيزنس خاص». وتزعم وجود ملفات هدر مالي كبير في المُستشفى «ووزارة الصحة على علم بها»، بدءاً من التوظيفات الوهمية والمحسوبيات، مروراً بملف الأدوية «حيث تؤكد المعطيات تبادل الأدوية المخصصة للمُستشفى مع صيدليات معيّنة»، وصولاً إلى التلاعب في توثيق الملفات الطبية للمرضى وشبهات تتعلق بعمليات شراء مازوت التدفئة والمُستلزمات والمعدات الطبية وغيرها من أبواب الهدر «المعهودة»، تحت حماية سياسية.

غالبية المصابين من أبناء المدينة يُنقلون إلى مُستشفى بعلبك الحكومي


يردّ ناصر الدين، من جهته، على كل ذلك بالتأكيد أن إدارته «الناجحة للمُستشفى على مر السنوات الماضية هي ما سمح بأن يكون المُستشفى الوحيد غير المدين بين المستشفيات الحكومية والذي يُسدد مستحقاته بمفعول رجعي ويدفع رواتب موظفيه بانتظام، فضلاً عن امتلاكه احتياطاً مالياً يجعله صامداً أمام الأزمات». أما الاتهامات، «فغالباً ما تكون شخصية». فيما يسأل المختلفون مع ناصر الدين: «كيف يمكن لمُستشفى حكومي لا يملك مقومات طبية متوسطة في الحدّ الأدنى أن يحقّق أرباحاً؟». بينما تطرح تساؤلات حول محاضر جلسات مجلس الإدارة المؤلف من أربعة أعضاء، إذ أنها «أشبه بمذكرات وتقارير يومية تخلو من أي قرارات مالية مهمة. فالمدير يستفرد بكل القرارات المالية، بدءاً من تلك المتعلقة بالكافيتريا، وصولاً إلى تلك المتعلقة بالسقف المالي للمستشفى.
وبمعزل عن الاتهامات، ثمة نقاش مرتبط بالخلل الأساس في إدارة المُستشفى، وفق بعض العاملين في المُستشفى، وذلك بدمج منصبَي رئيس مجلس الإدارة والمدير، إذ «كيف يمكن أن يكون المُشرّع هو نفسه المعنيّ بتنفيذ المقررات؟».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا