استفزّ بعض طلاب الماستر 1 في قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية - الجامعة اللبنانية أن تتناول مسابقة «مقاربات نصية في الفكر العربي الحديث»، نصاً للشاعر أدونيس «يفتح فيه باباً للتطبيع مع العدو الإسرائيلي»، من خلال الدعوة إلى مسالمة الفن والأدب اللذين يُنتجهما الأدباء والفنانون اليهود خارج إسرائيل وداخلها. ويدافع الكاتب عن أطروحته بحجج مستقاة من الإسلام نفسه، «فالإسلام حارب في بداياته اليهود من دون أن يقاطع الفكر اليهودي أو الثقافة اليهودية، وحارب الروم والفرس من دون أن يقاطع الثقافة البيزنطية أو اليونانية أو الفارسية». كما أنّ «الإبداع لا يمكن أن يتماهى أو يتوحّد مع المؤسسة وهو، في أمة، حليف الإبداع في الأمم الأخرى، في ما وراء الصراعات السياسية والعداءات والحروب».

الجدل حول النص خرج إلى العلن بعد صدور النتائج أخيراً، والتي أظهرت نسبة رسوب مرتفعة (12 من أصل 31، بنسبة 39%)، وليس في يوم الامتحان قبل نحو 10 أيام، والسبب، بحسب مصادر طالبية، أنّه لم يكن هناك إجماع من الطلاب على مقاطعة المسابقة، ما يجعل دعاة المقاطعة المتضرّرين الوحيدين. لذا استقرّ الرأي على معالجة المسابقة وإبداء الموقف النقدي من خلالها، طالما أن طبيعة المادة تحتمل ذلك، وجرى إيلاء النقد أولوية على استخراج الظواهر الأدبية.
المصادر سألت عن سبب اختيار هذا النص في هذا التوقيت والظروف الحسّاسة التي يمر بها لبنان، حيث يرتفع منسوب الكلام على الحياد والتطبيع الذي تهرول إليه الأنظمة العربية، علماً بأنّ مروحة الخيارات أمام أستاذ المادة كبيرة، «فقد قاربنا إضافة إلى نصوص أدونيس، نصوصاً أخرى لطه حسين وزكي محمود وأمين معلوف وغيرهم».
الطلاب المعترضون وقّعوا عريضة للمطالبة بإعادة تصحيح المسابقة من أستاذ ثانٍ، وأن يكون هذا الأستاذ هو من يصحّح الدورة الثانية أيضاً.
لكن المسألة بالنسبة إلى أستاذ المادة، جوزف لبس، «ما كانت تستحق كل هذه الضجة التي أتت من الراسبين فحسب»، باعتبار أنّ «الممتحنين هم طلاب ماستر وناضجون ويعون تماماً أن المادة تقارب نصوصاً في الفكر العربي الحديث، أي أنها يجب أن تتطرق إلى موضوعات الساعة والمشكلات الراهنة، وليس الأدب والفكر بمنفصلين عن هذه المشكلات. وما كان مطلوباً من الطلاب هو أن يفهموا النص ويقدموا رأيهم النقدي، ولهم الحرية أن يقولوا ما يريدون شرط أن يقترن ذلك بالإقناع وإعطاء الحجج والبراهين وبلغة عربية سليمة». لبس أشار إلى أن «الظروف الحساسة لا يجب أن تجعلنا نتوقف عن التفكير»، سائلاً إذا كان المطلوب أن «أخوّن وأجرّم وأهان، فيما النص هو من صلب البرنامج المقرّر للمادة».
رئيس قسم اللغة العربية وآدابها، إبراهيم فضل الله، أوضح لـ «الأخبار» أنّه لم يتبلّغ بأي اعتراض من الطلاب سوى بعد صدور النتائج، «فيما كان يمكن معالجة الأمر منذ البداية، أي عند إجراء المسابقة». مع ذلك، اعتبر أنّ أستاذ المادة «لم يكن موفّقاً في اختيار النص الذي تظهر فيه دعوة واضحة للتطبيع وفيه مغالطات كثيرة ولا سيما من وجهة نظر الخطاب العربي المناهض للصهاينة، فيما نحاول أن تكون النصوص المطروحة في الامتحانات توفيقية وغير إشكالية، نظراً إلى وضع البلد»، لافتاً إلى «أننا أخذنا تعهّداً من أستاذ المادة بعدم تكرار طرح نصوص إشكالية. وسندرس إمكانية إعادة تصحيح المسابقة وإعطاء كل ذي حقّ حقه». واستغرب الحملة التي طاولت الجامعة اللبنانية على مواقع التواصل الاجتماعي، واتهامها بالتطبيع مع إسرائيل، «في حين أن ما حصل لا يعدو حادثة فردية ستُجرى معالجتها».

أستاذ المادة: النصّ من صلب البرنامج والاعتراضات أتت من الراسبين!


«اللقاء الوطني ضد التطبيع» قرأ النص من خلال العودة إلى السياق الذي ورد فيه، أي كتاب «موسيقى الحوت الأزرق، الهوية، الكتابة والعنف»، حيث «يفصل أدونيس بين الشعب (اليهودي) والسلطة - المؤسسة، ويقول إن المماهاة بين الشعب والنظام الذي يسوده موقف ليس ضد الحقيقة والواقع وحدهما، إنما هو كذلك ضد التاريخ وضد الإنسان نفسه وضدنا نحن العرب في المقام الأول». ورأى اللقاء، في بيان، أنّ «هذا الطرح يتضمّن مغالطات، فالدعوة إلى عدم مقاطعة العدو الصهيوني فنياً وثقافياً ورياضياً تضليل وتعمية واعتراف بالعدو الصهيوني وليس إسرائيل كما ذكر النص، وهو يصبّ في محاولات تجميل ارتكابات الصهاينة وجرائمهم». ولفت إلى أن «تسمية إسرائيل لا يمكن أن تكون مقترنة إلا بكونها العدو، والإسلام حين حارب اليهود كانوا يهوداً لا صهاينة اغتصبوا أرضاً وهجّروا شعباً ومارسوا ضده كل أشكال التطهير والإبادة والتنكيل، وأن مجرد الاعتراف بشعب في إسرائيل يعد بمثابة نسف للقضية الفلسطينية، فشعب أرض فلسطين هم الفلسطينيون فقط، وما سمّاه الكاتب شعباً يهودياً هو شعب صهيوني مشارك للسلطة والمؤسسة السلطوية الصهيونية في جرائمها ضد الفلسطينيين». اللقاء أشار إلى أنّ «الكاتب يعترف بإسرائيل كدولة وشعب ويقيم لها كياناً شرعياً ويعترف به ويدعو للانفتاح عليه». وسأل: «إذا كان العدو الصهيوني يجنّد كل مؤسساته ونتاجاته العسكرية كما الثقافية في حربه ولا يستثني التربية والتعليم ليدجّج أطفاله بالعنصرية، كيف نفصل بين النتاج الأدبي وهذه الحرب الوجودية المكتملة الأبعاد معه؟»، داعياً إلى أن تكون الجامعة اللبنانية خط الدفاع الأول عن القضايا المحقّة ولا سيما القضية الفلسطينية من خلال رفض التطبيع مع العدو والحثّ على مقاطعته.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا