بدا لافتاً أن يتحرك التفتيش الإداري، سريعاً، في قضية إلغاء وزير التربية طارق المجذوب تكليف الدكتورة ندى عويجان برئاسة المركز التربوي. إلا أن الأغرب كان تسرّب معلومات من التحقيق، من بينها حجز الوزير 10 أرقام في دفتر القيد بتاريخ يسبق استقالة الحكومة وطلب التفتيش من الموظفة المسؤولة عن الدفتر اعتبار هذه الأرقام مجمدة وعدم استعمالها ريثما ينتهي التحقيق، وأن قرار إقالة عويجان الذي يحمل الرقم 344 ليس له أثر في سجل الصادرات، وأن المجذوب طلب من الموظفة وضع ختم على صورة طبق الأصل قبل أن يرسل القرار إلى المركز التربوي.

المفتش العام الإداري، ميخائيل فياض، أكد لـ«الأخبار» أن «المعلومات المسرّبة عن التحقيق إلى الإعلام لا تعنينا. وقد وضعنا رئيس التفتيش جورج عطية في أجواء التحقيق الذي قد تصدر نتائجه خلال يومين، وهو الجهة الوحيدة المخولة بالتصريح».
«الأخبار» اتصلت بالرئيس عطية من دون أن توفق بالحصول على موقف منه، علماً بأن النتائج يجب أن تصدر أولاً عن هيئة التفتيش المركزي التي جرى تعطيل اجتماعاتها منذ شباط 2019.
في هذه الأثناء، تردد أنّ التفتيش قرّر وقف تنفيذ قرار المجذوب في انتظار انتهاء التحقيق، رغم أنه لا يحق للتفتيش قانوناً تجميد قرار وزير، وإنما يمكنه أن يوصيه بإعادة النظر فيه من دون أن يكون ذلك ملزماً له.
وفيما أشارت معلومات الى محاولة للضغط لتأخير التسليم والتسلم 15 يوماً بهدف معالجة الثغرات الموجودة في المركز، بدا مستغرباً أن لا يذهب التفتيش الإداري إلى المركز التربوي رغم كل ما نشر سابقاً عن مخالفات وصفقات بما يفترض أن يكون بمثابة إخبار. وجديد المعلومات أنّه جرى توقيف تدوين المعاملات في دفتر الحجز المالي ودفتر مراقب عقد النفقات في المركز، في 14 آب، ثم أعيد فتح الدفاتر ليلة تسلم عويجان قرار إعادتها إلى ملاكها الأصلي في الجامعة اللبنانية وسجلت فيه معاملات جديدة.
وإذا عاد التفتيش إلى تاريخ 31/12/2019 فسيجد عدداً من المعاملات التي لا يمكن لأي مسؤول أن يوقّعها في نهار واحد، والسبب أن سجل المركز لم يقفل في ذلك النهار بل بقي مفتوحاً لشهرين لتسجل فيه كل المعاملات المرتجعة المنوي تسجيلها والتي لا يمكن حتى إجراؤها في سنة كاملة. وجرى ذلك بـ«المَونة» على موظفي القلم والمحفوظات كونهم ينتمون إلى التيار السياسي نفسه الذي تنتمي اليه رئيسة المركز، إذ يجري أحياناً تسجيل قرارات من دون أن تترك نسخ منها في القلم، وهذا مخالف للقانون. وتتحدث مصادر إدارية في المركز عن تشكيل عدد كبير من اللجان التي ليس لها أي إنتاجية سوى تنظيم الاحتفالات والكوكتيلات التي تصرف لها الأموال من القروض الدولية، ولا سيما مشروع S2R2. وهناك مشروع لإنتاج موارد رقمية وغير رقمية في الروضات واللغة العربية، كان يفترض أن ينتهي عام 2019، لكنه لا يزال مستمراً ويتقاضى منه عدة أشخاص من المركز وخارجه بدلات مالية مرتفعة.
في تلك الليلة، جددت عويجان العقود لكل من الموظفتين ن. ك. ون. ح. (ابنة موظف كبير في المركز)، ووقّعت مستحقات لعشرات اللجان بغية صرف أموال لها من S2R2.

وزير التربية تغاضى عن الفساد المستشري في الوزارة


يجدر التذكير أيضاً بأن التفتيش الإداري كان مقرراً أن يحقق بما حصل في 9 شباط 2019، لكنه لم يصدر أي نتائج بل ختم رئيس التفتيش الملف بسحر ساحر رغم استنفار المركز على الجهاز الرقابي، علماً بأنه في ذلك اليوم، (عطلة مار مارون)، أُجبر الموظفون على الحضور لمتابعة معاملات مالية وُقّعت تحت جنح ليل الجمعة في 8 شباط، بصورة مخالفة للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء. وهي معاملات، كما جاء في تقرير للمفتشية التربوية العامة، «محضّرة مسبقاً في قسم المحاسبة بمواضيع مالية مختلفة، مع وضع إشارة عليها بوجوب توقيعها بتواريخ سابقة». ما حصل يومها في المركز التربوي كان مسرحية لحفظ ماء وجه رئاسة التفتيش (المحسوبة على التيار الوطني الحر).
على المقلب الآخر، تطرح علامات استفهام بشأن تغاضي وزير التربية عن الفساد في وزارته، باعتبار أن الخلاف الأساسي بين الوزارة والمركز التربوي هو التضارب في الصلاحيات بين المركز برئاسة عويجان ومديرية الإرشاد والتوجيه في الوزارة برئاسة هيلدا خوري، والمديرية، بالمناسبة، جهاز غير مقونن يضم اليوم نحو 800 أستاذ. ما يحصل أن الإرشاد، رغم عدم قوننته، يأخذ صلاحيات المركز لجهة تدريب الأساتذة على التعليم عن بعد و«مايكروسوفت تيمز» وغيرها. كذلك لم يجر القيام بأي خطوة على مستوى التزوير الذي تقوم به المدارس الخاصة ــــ الدكاكين برعاية رئيس مصلحة التعليم الخاص عماد الأشقر. إذ هناك اليوم 168 مدرسة لم تتقدم بلوائحها لأنها غير مرخّصة، ما يعني حرمان آلاف الطلاب من الإفادات.



عويجان: المجذوب يتجاوز القانون وإقالتي كيديّة!
بعد ثلاثة أيام على إلغاء تكليفها رئاسة المركز التربوي للبحوث والإنماء، علّقت ندى عويجان على القرار، واصفة إياه بـ«الكيدي» الذي «يتجاوز الأصول الإدارية والقانونية»، و«عقاب على تسميتي الأشياء بأسمائها» لجهة المواقف التي أطلقتها بشأن خسارة التلامذة للعام الدراسي الماضي وعدم نجاح التعلم عن بعد وعدم الجهوزية لبدء عام دراسي جديد.
عويجان أكدت في بيان أنها غير متمسكة بالمنصب، لكنها «حريصة على التحضير لعام دراسي آمن صحياً وتربوياً، فيما تعرقل الوزارة مقومات انطلاقته ولا سيما معارضة مشروع تطوير المناهج الوطنية والحؤول دون تأمين 7.2 ملايين دولار لوزارة التربية من برنامج S2R2 الممول من البنك الدولي». الوزير لم يبتّ أيضاً، بحسب عويجان، دعم منصّة التعلم الرقمي التابعة للمركز التربوي، علماً بأنّ «هناك حاجة لمحتوى تفاعلي مشبك مع المنهج اللبناني كشرط أساسي لنجاح التعلم عن بعد وفعاليته». واتهمت عويجان الوزير بـ«منع المدير العام للتربية من تسمية مندوبين للمشاركة في تقليص الدروس وغيرها، وتجاهل المراسلات (حتى التي تتّسم بطابع العجلة) المتعلقة بالأزمة التربوية الناتجة من كورونا، ولا سيما تعزيز التعلم الرقمي، وشراء وإنتاج موارد تربوية رقمية، وتدريب المعلمين، والتواصل مع وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو، ومرسوم الإنترنت المجاني، والمدرسة الافتراضية، والكتاب المدرسي الوطني». وأشارت إلى أنها أرسلت كتباً إلى الوزير ترفض «الازدواجية في العمل وتجاوز القانون من الوزارة في ما يتعلق بإنتاج الموارد التربوية و/أو الموافقة عليها، وتدريب المعلمين». ولفتت الى «عرقلة» مشروع «كتابي 2» الممول من Usaid من خلال هبة بقيمة 90 مليون دولار لفترة محدودة، وعدم تبني الوزير للمراسيم المتعلقة بالعاملين في المركز التربوي. وأكدت «أننا ما زلنا نعتقد بأننا غير جاهزين. فالجهوزية تتطلب دعم منصة التعلم الرقمي، وتأمين مجانية الإنترنت التعليمي السريع، وتأمين التيار الكهربائي، وتأمين التجهيزات اللازمة (كومبيوتر، تلفون أو غيره)، وجدية في دعم السلّة التربوية (قرطاسية وكتب وقصص وحقيبة وتوابعها في حال كان بالإمكان التعليم وجاهياً)، وتحديد المواضيع/ الكفايات المستمرة بين الصفوف، وتحضير تقليص استثنائي للمنهج (Allègement)، إضافة الى تدريب المعلمين والمتعلمين والأهل وغيرهم من المعنيين على المقاربة الجديدة بكامل أبعادها».



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا