رغم جائحة «كورونا» واشتداد الأزمات الاقتصادية وأزمات تغيّر المناخ القاتلة، لا تزال «القضية البيئية» مستحيلة وغير شعبية، وذلك لأنّ مفاهيم مثل الفردية والليبرالية والتبادل الحرّ والرفاهية والتنمية والتقدّم… لا تزال مسيطرة.

«القضية البيئية» تعرّف الاقتصاد بعلم إدارة شؤون البيت (بيتنا المشترك) وموارد الطبيعة، وهي تدعو إلى حفظ هذه الموارد وديمومتها وحسن إدارة المتجدّدة وغير المتجدّدة منها. وهي تفهم الاقتصاد أيضاً بمعنى التوفير وحسن التدبير، وليس في زيادة الاستثمار والإنتاج والاستهلاك والرفاهية... إلخ.
بهذا المعنى، تتعثّر هذه الفلسفة لأنها تدعو لـ«العودة إلى الوراء» وليس «التقدم إلى الأمام»، وكأنها تدعو إلى التخلّي عن مكتسبات الحضارة بشكل أو بآخر. إذ تدعو إلى التراجع عن الاستثمار والتنمية، طالما أن هذه الأخيرة تعني زيادة في الاستخراج والتصنيع والاستهلاك. لكن هل يعني التراجع عن «الزيادة» التراجع عن الطموح، وليس فقط وقف عجلة النمو، كما يذهب البعض. وهل يأتي يوم يصبح قتل الطموح مقدّمة ضرورية لإنقاذ الحياة، لا سيما حياة النوع الإنساني تحديداً؟ وهل تعني إعادة الاعتبار لفلسفة الكفاية التوقف عن الطموح وقتل كلّ إمكانيات التقدم؟ وماذا لو أصبحت نهاية فكر التقدم لا تعني إلّا الوصول إلى الهاوية؟ وعندما يصل الإنسان أثناء تقدّمه إلى الهاوية، ألا تصبح العودة إلى الوراء طموحاً مشروعاً؟
بالتأكيد، ليست الأمور بهذه الفجاجة. إلّا أنّ فكرة التواضع لا تخلو من معنى كونها قيمة منقذة في مثل هذه الحالات الوجودية.
بيّنت الأزمة الأخيرة، التي نجم عنها نوع قسري من الحجر المنزلي، أن من استدان من أجل الاستثمار ربح وهماً، ومن ادّخر من أجل التوفير خسر. كما بيّنت، أيضاً، أن توقف عجلة النظام الاقتصادي المسيطر تعني توقف كلّ شيء والدخول في أزمات أعمق! وفي كل الحالات، كان من الملاحظ أن التركيز على النوعية، يظلّ أفضل بما لا يُقاس من التركيز على الكمية، إذا أردنا الإبقاء على نظام الملكية كعنصر مركزي لناحية الاقتناء والاكتفاء.
تدعو الفلسفة البيئية الاقتصادية إلى إعادة تسعير السلع والمنتجات بحسب قيمتها الحقيقية بعكس المطالب الشعبية التقليدية التي تدعو إلى خفض الأسعار. يعني ذلك أن يؤخذ في الاعتبار، أثناء التسعير، دورة حياة كلّ منتج من المهد إلى اللحد؛ أي ما الذي يحتاج له هذا المنتج من مواد أولية أثناء الاستخراج وما إذا كانت هذه المواد ناضبة أم لا، وأثر استخراجها على مواد وكائنات أخرى، وكلفة التصنيع وطرقها وحجم الطاقة والمياه التي تتطلبها واليد العاملة التي احتاجت لها عملية التصنيع وأثر هذه الصناعة على صحة العمال وعلى المحيط البيئي، وكيفية التسويق ومدى دقة المعلومات حولها أثناء الترويج وكيفية الاستخدام والاستهلاك وعمر المنتج الافتراضي وجودته وكيفية التخلّص منه وكلفته بعد نهاية عمر السلعة وتحولها إلى نفايات أو مخلفات... إلخ.
انطلاقاً من ذلك، لن يعود السوق هو فقط من يحدّد السعر، بل كل ما ذكرنا، على أن يُعبّر عنه بشفافية على الملصق الموجود بوضوح على كل سلعة، تحت رقابة الوزارات المعنيّة بدورة حياة المنتج. صحيح أن هذه المنهجية ترفع قليلاً أسعار بعض السلع، إلّا أنّها ترفع من جودتها وعمرها الافتراضي أيضاً، وفق المعادلة التي تقول: من الأفضل مضاعفة سعر السلعة مرتين إطالة عمرها خمسة أضعاف. بمعنى أوضح، فإنّ شراء حذاء بـ20 دولاراً تلبسه لسنة واحدة ليس أفضل من شراء حذاء بـ40 دولاراً تلبسه خمس سنوات، على أن تتأمّن من ضمن هذا السعر المضاف كلّ الشروط التي تحافظ على ديمومة الموارد وحقوق العمال والمستهلكين، مع المتانة وحماية الصحة والتخلّص الآمن بعد الاستهلاك.
هذه المنهجية تعرقل فعلاً النظام الحالي المسيطر القائم على زيادة الإنتاج والاستهلاك والربح السريع من دون ضوابط، والمستنزف للموارد، والملوث للطبيعة، والذي يزيد من نسب الفقر بدل أن يحدّ منها. وهو نظام حاول أن يؤبّد نفسه حين أحكم السيطرة على سوق العمل ومراكز البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية والإعلام وسوق الإعلانات… وعلى ما يسمى الحسّ العام الذي تخلقه وسائل الإعلام والإعلان، ويلعب على الحاجات ويكثر من وعود الرفاهية والرخاء وزرع الأوهام. من هنا تأتي صعوبة - لا بل استحالة - تبنّي الأفكار المضادة أو تطبيقها. وهذا ما يفسّر فشل الحكومات والبرلمانات في خرق قواعد السوق التي التزم بها كلّ من الشرق والغرب على أوسع نطاق. وإذ تُعتبر المنافسة من أهم قواعد السوق والمتسبّبة بتفاقم كلّ الأزمات التي نعرفها الآن وتلك التي لم نعرفها بعد، لا نرى خلاصاً في المدى المنظور لمعالجة قضايا كبرى، تحتاج إلى التعاون بدل المنافسة. هذه هي المعضلة الحقيقية اليوم لعالمنا على المستوى الدولي والوطني. ولا للحديث عن التوجّه نحو الشرق أو الغرب في منطقتنا اليوم إذا بقينا ضمن أطر المنافسة ذاتها. فالشرق وفلسفاته القديمة انهزم منذ حرب الأفيون، وتبنّى بعد ذلك الفلسفات الغربية وبدأ ينافسها، تماماً كما تنافس الصين اليوم في الأسواق العالمية بعد دخولها منظّمة التجارة العالمية.
لذلك قد لا ينفع بلداً مثل لبنان أن يكون في أيّ من محاور الشرق أو الغرب. كما قد لا تنفعه تلك الفكرة البهلوانية التي لا تخلو من التذاكي المفضوح والقائلة بـ«الحياد» للاستفادة من الكل. لا يُنقذ لبنان إلا فلسفة كيان جديدة، تقوم على مبادئ الفلسفة البيئية المتواضعة، وعلى فلسفة الكفاية، وتتبنّى نموذجاً اقتصادياً شبيهاً بما عرفه جبل لبنان في خضم الصراعات القديمة وتحولات الدول، عندما تبنّى مقولة «فلاح مكفي سلطان مخفي»... هذا إذا كانت مقدراته الطبيعية لا تزال ممكنة.