أمس، نفّذت بلدية الغبيري جولتها الأخيرة في إطار حملة إزالة التعدي عن مدافن بئر حسن التابعة لها. بعد عامٍ ونصف عام من الجولات، أنهت البلدية الجزء الأول من القضية مع وضع اليد على المدفن وإزالة التعديات والمخالفات، بمؤازرة أمنية من قوى الأمن الداخلي ومديرية المخابرات في الجيش... بانتظار أن يحلّ المعنيون الجزء الآخر المتعلق بإدارة المدفن. وهي مسؤولية تقع على عاتق داري الإفتاء الجعفري والفتوى لوقف «التعدي على حرمة القبور والأموات»، على ما يقول رئيس البلدية، معن الخليل.

لم تكن سهلة إزالة تلك التعديات التي تقبع في المدافن منذ ثلاثين عاماً، عندما قرر أحد الأشخاص من آل سلهب أن «يستثمر» - بقوة الأمر الواقع - الأرض المؤلفة من أربعة عقارات. بعدما أقام هناك، عمل الرجل على بيع الأرض للناس «شقفة شقفة» ليدفنوا موتاهم. وقد أشاع جواً مفاده أنه «يملك مستندات قانونية وترخيصاً من أصحاب الأرض الذين يقيمون في أميركا». شيئاً فشيئاً، كبرت تجارته هناك، فصار له «زبائن» كثر من المنطقة، من لبنانيين وفلسطينيين وغيرهم، يبيعهم القبور بأسعار تراوح بين 3 و4 آلاف دولار. ووصل الأمر به إلى حد بيع القبر مرتين، إذ يبيع «القديم» على أساس أنه «جديد» لـ«زبائن» جدد.
بقي الأمر على حاله حتى العام الماضي، عندما «تأكدت البلدية من أنه يجري نبش القبور القديمة بعد التيقّن من أن أحداً لم يعد يزورها لبيعها من جديد». عندها، تحركت البلدية، لكنه كان تحركاً بعد فوات الأوان، إذ تمدّدت القبور إلى عقارات أخرى، منها ما هو تابع لأملاك خاصة (أكبر عقار نحو 4000 متر مربع) لأشخاص من آل الداعوق والسروجي، وعقار تابع للبلدية. وضمن العقار الأساس، أنشأ المعتدون مبنيين تسكن في أحدهما عائلة سلهب، فيما جرى تأجير باقي الشقق. حاولت البلدية، في بداية الأمر، التحرك باتجاه الأوقاف السنية والشيعية لحثّها على تولي الأمر، إلا أنها فشلت، ما دفعها أمس إلى إنهاء القضية وحيدة، و«وضع الأوقاف تحت الأمر الواقع»، على ما يقول رئيس البلدية.

المعتدي «استثمر» العقارات منذ 30 عاماً وحوّلها إلى مقابر


لكن، لماذا لم يتحرك أصحاب العقارات رغم مضيّ كل تلك السنوات؟ يجيب الخليل أن تحركهم سيكون عبر اللجوء إلى القضاء «الذي لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا البلد، فالدعوى قد تستمر لـ15 سنة، وفي النهاية لا يزال سلهب يدفن وماشي حاله!». ولذلك، فإن تحرك البلدية يصبّ في الحفاظ على أملاكها والأملاك الخاصة ووقف التعدي على الحرمات، فيما أصحاب العقارات، وفق ما يؤكد الخليل، «لديهم ملء الثقة بقدرة البلدية على رفع التعديات عن أملاكهم التي أصبحت مدفناً الى غير رجعة! لكن على الأقل فإن الذهاب باتجاه تسوية أوضاع العقارات واستملاكها من قبل الأوقاف سيعوّض مالياً عليهم وفق ما يأملون».