في نيسان 2014، خلص تحليل دقيق ومفصّل لموازنة مدرسية إلى أن مدرسة من 1500 تلميذ/ة تجني أرباحاً غير قانونية تفوق المليون دولار سنوياً من الأقساط فقط، وبقسط لا يتعدى ثلاثة ملايين ليرة في حينه. ويتضاعف هذا المبلغ مع احتساب المداخيل غير الملحوظة في الموازنة (رسوم تسجيل، أنشطة لا صفيّة، نقل، قرطاسية وثياب، دكان، الخ)، والتلاعب غير القانوني بها.

(مروان بو حيدر)

كانت تلك عيّنة بسيطة من الطرق المعتمدة في بعض المدارس الخاصة (المعفاة من الضرائب والرسوم كونها مؤسسات لا ربحية!) لجني أرباح إضافية. وبعض هذه الطرق موثّق ومنشور في الصحف، وكان موضع إخبارات ودعاوى قضائية وشكاوى تقدّمت بها لجان الأهل الى وزارة التربية، من دون أن تلقى آذاناً صاغية أو متابعة من الجهات المختصّة.
وعدا المبالغات في الموازنات، ولا سيما البند «ج» المتعلق بالمصاريف التشغيلية، اكتشف العديد من لجان الأهل واللجان المالية «إبداعات» المدارس في جني أموال بطرق أقل ما يُقال فيها إنها احتيالية، منها:
- زيادة أعداد المعلمين/ات في جداول الموازنة المدرسية: إذ تُقدم الموازنة على أساس أن 65% منها مخصّصة لرواتب وأجور الهيئتين التعليمية والإدارية. وكما هو معلوم، تغطي المدرسة رسوم الضمان وصندوق التعويضات الواردة في الموازنة من ضمن القسط. وتقدم المدرسة بيانات بأسماء المعلمين/ات ودرجاتهم ورواتبهم كملحق للموازنة، وهنا يكمن التناقض، إذ أن ساعات التدريس المحدّدة في جداول صندوق التعويضات تغطّي أكثر من حاجة المدرسة إلى ساعات التدريس وأحياناً أضعاف عدد ساعات التدريس الفعلية. التحليل الذي نشرته «الأخبار» عام 2014 يوضح هذه الوقائع بالأرقام. فقد ورد في موازنة المدرسة موضع الدراسة أن هناك 49 موظفاً/ة مسجّلون في الضمان الاجتماعي، فيما تدفع المدرسة اشتراكات 35 موظفاً فقط. كما ذُكر أيضاً أن المدرسة تضم 158 معلماً/ة فيما تدفع لصندوق التعويضات والضمان الصحي عن 130 فقط. وينتج عن هذه المبالغة في عدد أفراد الهيئتين الإدارية والتعليمية وفر يقارب الـ 1.3مليار ليرة، كما يدخل في باب الرواتب التي تغطيها الأقساط رواتب 28 معلماً/ة و14 موظفاً/ة غير موجودين أي ما يعادل مليار ليرة إضافية. هذه الطريقة تعتمدها غالبية المدارس، وليس بمقدور لجان الأهل اكتشافها إذا لم تتوافر لها كل المستندات اللازمة مثل إيصالات الضمان والجداول الاسمية بالرواتب ومهارات محاسبية. أما صندوق تعويضات المعلمين، الشريك في هذه العملية، فلا يتأكد من عدم ازدواجية أسماء المعلمين/ات في جداول أكثر من مدرسة، إذ غالباً ما يدرج اسم المعلم/ة من دون علمه في أكثر من مدرسة، وفي أغلب الأوقات تكون الجداول غير موقّعة من المعلمين أو تحمل تواقيع مزوّرة.
على مدى عشر سنوات سلبت المدارس نحو 20% من دخل الأسر وجنت زهاء 20 مليار دولار أرباحاً


- في شكوى الأهالي ضد المدرسة الأنطونية - عجلتون لدى المجلس التحكيمي التربوي (6/10/2018)، وردت لائحة بأسماء عشرين من الآباء والرهبان يتقاضون رواتب عالية تتراوح بين 8.25 و 9.25 ملايين ليرة شهرياً، أي ما يعادل رواتب 3 أو 4 معلمين/ات، مقابل ساعات تدريس دين وفلسفة وإدارة. علماً بأن معظم هؤلاء غير موجودين في المدرسة ولا يداومون. هذه الرواتب وملحقاتها تصل قيمتها إلى 2.26 مليار ليرة سنوياً، يدفعها الأهل ضمن الأقساط ولا يستفيدون منها، عدا عن اشتراكات صندوق التعويضات (6%) وغيره. ربما لا يتقاضى الرهبان هذه الرواتب فعلياً، لكن الأهالي يدفعونها من دون إشعارهم بهذه الدفعات وأسبابها ولمن تُصرف.
- أثناء دراسة إحدى اللجان المالية في لجنة الأهل لموازنة مدرسية، تبيّن لها أن هناك مبالغ هائلة تذهب لمساعدة التلامذة المحتاجين (بند «ج»)، تصل إلى أكثر من 30% من الأقساط، أي أن عموم الأهل يساهمون في دعم عائلات محتاجة. المبدأ صحيح ويقع ضمن إطار التعاضد المجتمعي، لكن تبيّن للجنة المالية بعد التقصّي أن ثلث هؤلاء التلاميذ يستفيدون أصلاً من مساعدات ومنح من وزارة الشؤون الاجتماعية ومن السلك العسكري وغيرهما. بمعنى آخر، تحصّل الإدارة المدرسية بند المساعدات من الأهالي وتحصّله مرة أخرى من الجهات المانحة، كما تُدخل الأقساط الهالكة أو المتأخرة ضمن الموازنة لتغطيها من الأقساط.
- اكتشفت إحدى لجان الأهل أثناء دراسة موازنة ورود اسم سيدة تعمل في قسم النظافة ضمن جداول المعلمين/ات. السيدة المتقدّمة في السن، وشبه الأمية، عملت مع أختها في المدرسة قبل أن تتوفّى الأخيرة. بعد التقصّي تبيّن أن السيدة المتوفاة تستحق تعويضاً بعد 40 سنة من العمل في المدرسة كمعلمة على غير مهنتها الحقيقية، وقد وقّعت توكيلًا للمدرسة ومحاميها قبل وفاتها ما خوّل المدرسة قبض تعويضها كاملاً بينما استفادت عائلتها من جزء قليل منه.
- تبيّن لعدد من الأهالي في إحدى المدارس أن رقمي لوحتين اثنتين فقط موجودان على كل باصات النقل في المدرسة، وأن هذه الباصات غير مسجلة في المدرسة وتعود ملكيتها إلى مدارس أخرى، فيما ثلاث منها مسجلة «أنقاض» (غير صالحة للسير) وكانت مسجلة باسم شركة سوكلين.
هذه عينات من ممارسات تجري في مدارس عريقة تُظهر طرق التلاعب التي تؤمّن أرباحاً إضافية من خارج الموازنات، كشفها الأهالي وراحت إلى المحاكم والوزارة ولم يُفتح فيها أي تحقيق. هي عينات في صراع الأهل مع ابتزاز المدارس التي تدّعي التربية والقيم الأخلاقية وتحاضر بها يومياً في خطاباتها.
المدارس التي تجني أرباحاً سنوية تتعدى المليوني دولار وربما الـ 3 ملايين بطرق غير قانونية، تواطأت على دخل العائلات اللبنانية، وسرقت ما يقارب الـ 20% منه على مدى عشر سنوات لتجني ما يقارب الـ 20 مليار دولار أرباحاً غير قانونية تتوزعها شبكات المدارس الكبرى وبعض المدارس الإفرادية. هنا نفهم، بشكل أفضل، تسمية «كارتيل المدارس» التي ساهمت بإفقار العائلات وجمعت ثروات طائلة ظهرت في بناء مدارس وفروع جديدة وتوسّعت شبكاتها وزادت أموال أصحابها بما يوازي أرباح المصارف التجارية. وهي اليوم تريد الإمعان في النهب من دون رقيب أو حسيب ممنّنةً الناس بتاريخها وبأخلاق التربويين و«الرسل» السابقين لهم وقيمهم الدينية والأخلاقية والمواطنيّة.

*باحث في التربية والفنون