فوز دو إيغواسو | «منذ أكثر من شهر لم أر ابنتي. لا يمكننا ترك مئات المواطنين الوافدين إلى المستشفى وحالاتهم مبكية جداً. أصيب عدد كبير من زميلاتي وبقينا قلة نتعاطى مع مشاهد الألم والموت في كل لحظة». هكذا وصفت إحدى الممرضات الحالة الصحية في ولاية ساو باولو البرازيلية، حيث امتلأت المستشفيات بالمصابين ونقل عدد كبير إلى الضواحي، وبقي آخرون يصارعون الموت في انتظار خطة طوارئ حكومية تحدّ من اصطفاف التوابيت على بوابات المقابر.

احتلت البرازيل المركز الخامس عالمياً في عدد المصابين بفيروس «كورونا»، والذي بلغ نحو 250 ألف حالة، ونحو 20 ألف وفاة. لكن الأرقام غير الرسمية تتحدث عن أضعاف هذه الأعداد، ما استدعى تدخلاً حكومياً للحد من إجراء الدراسات الميدانية، وآخرها توقيف عدد من الطلاب كانوا يجرون فحوصات عشوائية في 133 مدينة. الطلاب الذين أطلق سراحهم بعد ساعات من التحقيق كشفوا عن تهديدات تعرّضوا لها، بالإضافة إلى مصادرة المعدات والملفات.
الباحثة المتخصصة في تفشي وباء «كورونا» الدكتورة فلافيا ترنكي أكدت لـ«الأخبار» أن البرازيل ستحقق أعلى نسبة وفيات في نهاية المطاف، بسبب «تفلت الوباء ودخوله إلى العشوائيات والأحياء المزدحمة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من البنية الطبية والفحوصات المخبرية والسريعة، يضاف إليها استحالة فرض الحجر الصحي، إذ إن البيوت متداخلة في ما بينها، وأكثر الأحياء لا تخضع فعلياً لسلطة الدولة. وعليه، فإن عدد الإصابات والوفيات سيشكل مفاجأة حزينة للبرازيل وباقي دول العالم».
الانتشار الواسع للفيروس في البرازيل لم يستثن الولايات الشمالية التي تشكل حزاماً من البؤس والفقر المدقع، الأمر الذي دفع حكامها إلى مناشدة الصين مساعدة المنطقة التي تتعرّض لعقاب سياسي قاس ونقص في الخدمات باعتبارها خزان التأييد لحزب «العمّال» وزعيمه لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. واتهم حاكم ولاية مارينياو الشمالية فلافيو دينو، الرئيس البرازيلي جايير بولسنارو، بالعمل على خراب البلاد واستخفافه بعدد الوفيات، معلناً العصيان على سياسات الرئيس المناهضة للحجر الصحي. دينو أكد أن عرقلة بولسنارو للإعانات الحكومية تمثّل حكماً بالإعدام على الفقراء الذين يشكلون غالبية البرازيليين.

عرقلة بولسنارو للإعانات الحكومية تمثّل حكماً بالإعدام على الفقراء الذين يشكّلون غالبية البرازيليين


على وقع هذه المأساة، احتدم الصراع السياسي في البرازيل بين التكتل اليميني المتطرّف مع استقالة وزير الصحة نيلسون تايشي الذي لم يكمل شهره الأول في الحكومة. مقرّبون من تايشي أكدوا أن الرئيس البرازيلي يقود البلاد بطريقة هستيرية يصعب على المقرّبين الاعتراض عليها أو حتى فهمها، وأن هذه السياسات ستؤدي إلى «كارثة كبرى». وتحدّث معارضون داخل اليمين الحاكم عن أن الرئيس بات آيلاً إلى السقوط، وخصوصاً أن عدد طلبات الإقالة قد تخطّت الـ 30 وضمّت عدداً من الأحزاب والقانونيين. وبدأت المحكمة العليا إجراء تحقيقاتها في أحد طلبات العزل، وأرسلت إلى بولسنارو إخباراً بمضمون الدعوى.
في المقلب الآخر، يتساءل مقرّبون من بولسنارو عن التوقيت الذي دفع بوزير العدل السابق سيرجيو مورو إلى الاستقالة وفتح الملفات المحضّرة مسبقاً، والتي أرفقها بتسجيلات تدين الرئيس وتثبت تورّطه في التعيينات الأمنية، ومن هي الرافعة السياسية التي أعطت الضمانات للقاضي مورو كي يدخل في مغامرة إسقاط رئيس البلاد؟ وهل الجهات هي ذاتها التي وقفت خلف استقالة وزير الصحة، وهو أحد المقرّبين جداً من بولسنارو؟ وما هي مصلحة رجل الأعمال باولو مارينو في الكشف عن تعاون الشرطة الفدرالية مع نجل الرئيس، وإبلاغه عن تفاصيل عملية مداهمة قبل القيام بها قبل عامين؟ هذه الأسئلة التي تُطرح في أروقة القصر الرئاسي تتجاهل تماماً الأسباب المعلنة للانسحابات المتوالية، وتسخر من ظهور الوزراء المستقيلين بوجوه ملائكية حريصة على أرواح الناس وهم الذين كانوا يباركون لبولسنارو طريقته في إدارة البلاد ووصفه بعضهم بالنبي.
مصدر مقرّب من عائلة بولسنارو كشف عن همس يطاول المؤسّسة العسكرية داخل المجالس الخاصّة للعائلة الحاكمة، والشكوك بدأت تحوم في سماء برازيليا إزاء مواقف القيادة العسكرية الباهتة في مقاربتها للأزمة الحالية، وهو ما يشي باحتمالين أحلاهما مرّ: الأوّل، تواطؤ عسكري مع المنشقّين لإضعاف الرئيس. والثاني، البقاء على التل لإجراء حسابات الميدان وأخذ القرار بناءً على ميل موازين القوى. الهمس الداخلي أباح بجزء منه نجل الرئيس الذي كشف عن خيانة تعرّض لها والده، معتبراً أن القاضي مورو ومعاونيه هم أداة لقيادة خفيّة تقوم برسم قواعد الانقلاب الوشيك.



إصابات في صفوف اللبنانيين
استحوذت ولاية ساو باولو، التي تقطنها كبرى الجاليات اللبنانية، على ثلث العدد الإجمالي للإصابات والوفيات في البرازيل. وأفادت مصادر طبية «الأخبار» بإصابة مئات اللبنانيين بالفيروس، ثلاثة منهم ما زالوا في قسم العناية الفائقة، مع تسجيل أول حالة وفاة في صفوف المغتربين. ونعت الجالية نزيه محمد صالح، عن عمر يناهز الـ 70 وتم دفنه في المدفن الإسلامي في غوراليوس من دون المراسم المعتادة ومنع الأقارب من حضور الجنازة. «الأخبار» اتصلت بالجراح اللبناني الأصل أحمد صالح، الذي أكد وجود حالة شديدة الخطورة لمغترب لبناني كان قد خضع لعملية زراعة كبد. صالح اعتبر أن الأرقام الرسمية لعدد الإصابات لا تتطابق مع الوقائع التي تشير إلى إمكانية تخطي البرازيل للولايات المتحدة الأميركية خلال الأسابيع المقبلة، وخصوصاً أن البلاد على عتبة فصل الشتاء.