بعد 7 أشهر على إمكانية استعادة الأملاك البحرية المحتلة إثر انقضاء المهل المحددة للمعتدين بمعالجة أوضاعهم، أصدر النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي غسان عويدات أمس قراراً بتنفيذ أعمال الإخلاء ووضع اليد على المخالفات في الأملاك البحرية سنداً للقانونين 64 و132. وطلب من وزارة الأشغال العامة ومديرية النقل البحري «البدء بإنفاذ آلية وضع اليد على المخالفات التي لم يتقدم أصحابها بطلبات معالجة أو تقدموا خارج المهلة أو الأشخاص الذين لا تتوافر شروط المعالجة بحقهم». وتشمل هذه الإجراءات كل المخالفات الحاصلة قبل عام 1994. عويدات دعا وزارة الأشغال، في القرار، الى «تحديد الشروط المفروضة لكيفية استثمارها لاحقاً من قبل الدولة تحقيقاً للإيرادات لجهة دفتر الشروط وبتّها في دائرة المناقصات ووضع خطة سكنية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية للأماكن السكنية المفترض إخلاؤها». ولفت القرار الى ملاحقة النيابة العامة التمييزية، بواسطة مفارز الشواطئ، للمخالفين، أي من لم يتقدموا بطلبات معالجة، على أن يدفعوا غرامة قيمتها ثلاثة أضعاف الغرامة الأصلية بحسب القانون، ويتم تنفيذ تدابير الإخلاء ووضع اليد. إلا أن النيابة العامة التمييزية لم تبلغ وزارة الداخلية التي تضم مفرزة الشواطئ أو تنسّق معها في أي تفصيل مما ورد في القرار، ولا طلبت مؤازرتها لاسترداد الأملاك البحرية المعتدى عليها، بحسب تأكيد وزير الداخلية محمد فهمي لـ«لأخبار».

بناءً على هذا القرار، يفترض بوزارة الأشغال أن تضع آلية لمرحلة ما بعد الاسترداد حتى تعيد إشغال هذه الأملاك البحرية العمومية مرة جديدة لتحقيق إيرادات مالية وفق دفتر شروط ومناقصات. ولكن، تبقى هذه الآلية ضبابية الى حين عمل وزارة الأشغال على تفنيدها بالتنسيق مع وزارات الداخلية والعدل والشؤون الاجتماعية. وهو ما يفرض على مجلس الوزراء التدخل لاتخاذ قرار واضح حول هذه الآلية. «الأخبار» حاولت الاتصال بوزيرة العدل ماري كلود نجم من دون أن تلقى إجابة. فيما قال وزير الأشغال العامة ميشال نجار إنه سيعمد الى «درس القرار وما تتيحه القوانين المرعية الإجراء للوزارة حتى يبنى على الشيء مقتضاه».

الهدف من تحصيل الدولة للرسوم والضرائب على الأملاك البحرية كان تمويل سلسلة الرتب والرواتب


إشارة هنا الى أن الهدف من القانون الرقم 64 الصادر عام 2017، كان تحصيل مبالغ تصل الى 1200 مليار ليرة ممن سُمّوا «شاغلي الأملاك البحرية» لتمويل سلسلة الرتب والرواتب. وهي قيمة الضرائب والرسوم المتراكمة على المخالفين على مر السنين وكشرط لمعالجة أوضاعهم. يومها، تقدم ضمن المهلة المحددة للتسديد (مُددت مرتين بضغط من النواب وبعض الوزراء في حكومة سعد الحريري السابقة) 386 مخالفاً فقط من أصل نحو 1100 مخالف (راجع «الأخبار»). وبلغت قيمة الأموال المتوجبة على المتقدمين بالطلبات 90 مليار ليرة، إلا أن 45 ملياراً دُفعت فقط في حين عرض المخالفون تقسيط الـ 45 ملياراً المتبقية. أما القسم الأكبر، أي نحو 700 معتد، فقد رفضوا حتى «شرعنة» أوضاعهم، بعدما اعتادوا السطو على الشاطئ مجاناً منذ سنوات، بحماية من السياسيين، إذا لم يكن المعتدي هو السياسي نفسه أو أولاده وعائلته. الدولة التي تأخرت في قرار وضع اليد، وحاولت خلال الأشهر السابقة «تمييع» الملف بالادعاء أنها لا تملك مؤسسات مؤهلة لاسترداد هذه الأملاك وإدارتها (راجع «الأخبار»)، لا تزال حتى الساعة تسير وفق منطق خصخصة أملاكها بدل الحفاظ عليها وإتاحتها للعموم عبر تحريرها من التعديات. إذ ما الذي يمنع اليوم من وضع الشواطئ بمتناول العموم وهو حق يحفظه القانون وليس منّة من أحد؟ ولماذا تشريع هذه التعديات التي يجدد إشغالها تلقائياً وفق القانون مقابل مبالغ زهيدة بدلاً من السماح باستثمار الجزء العلوي من الشاطئ كما في كل دول العالم وإبقاء الجزء المتاخم للبحر خالياً من أي منشآت ومتاحاً مجاناً للراغبين في ارتياده؟ علماً بأن الدولة، ممثلة بوزارتَي الداخلية والأشغال العامة، أسقطت على مدى عشرات السنوات ما يفرضه القانون على أصحاب المنشآت بإبقاء طريق سالكة إلى الشاطئ باتجاه البحر حتى يستخدمها المواطنون بحرّية ومن دون دفع أي رسوم. بالتالي، المطلوب اليوم وسط الأزمة الاقتصادية التي أنتجتها السلطات السياسية المتعاقبة والانهيار الاجتماعي المرافق لها، إعادة ما أخذ من اللبنانيين نتيجة الحرب الأهلية وبعدها عبر النفوذ السياسي، وألا يستبدل المعتدي بآخر، بل تحرير مساحة 4 ملايين و900 ألف متر مربع من الشاطئ لإعادتها الى المالكين الأصليين، أي الشعب كما يضمنه القانون لهم.