أضاءت الازمة الاقتصادية العالمية والثورات العربية على الاختلالات في السياسات المتبعة، حيث توجهت الانظار نحو الطبيعة البنيوية للخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعت خلال العقود الثلاثة الماضية والرامية الى تحقيق الاهداف التنموية، ولا سيما القضاء على الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي.


وقد جاء أخيرا، في احد التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي، أن السياسات التي كانت تركز فقط على تحقيق النمو الاقتصادي باعتباره يؤدي حكماً الى تحقيق اهداف أخرى كالعمالة والعدالة الاجتماعية باءت بالفشل، وبالتالي يقترح التقرير ربط النمو بآليات التوزيع، ولا سيما اعتماد نظام ضريبي وسياسات لدعم بعض السلع الأساسية، التي تسهم في رفع مستوى معيشة الفقراء والمهمشين وذوي الدخل المحدود. وهذا ما أكدته المديرة التنفيذية للصندوق كريستين لاغارد، مع تشديدها على ضرورة تحرير ثقافة التعليم من التجارب والتوقعات الخاطئة التي يطلقها الصندوق، والاخذ بتقارير فرق التقويم الداخلي والخارجي.
ينسجم هذا الاستنتاج مع ما اشارت اليه منظمة الاونكتاد، في تقريرها لعام 2013، من ان السياسات التي تركز على النمو الاقتصادي فقط لن تسهم في تجاوز الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الكلي، وبالتالي يجب النظر في طبيعة النمو، وفي البنية الاقتصادية والمالية التي تحققه، بحيث يكون مستداما وقابلا للتوزيع، هذا من جهة، ومن جهة ثانية ان تقترن هذه السياسات بسياسات لاعادة التوزيع المتوازن من خلال نظام ضريبي ومنظومة شاملة للحماية الاجتماعية، وسياسة للاجور تأخذ بالاعتبار تعزيز القدرات الاستهلاكية للمواطنين.

عدم المساواة

أشار تقرير صادر عن منظمة أوكسفام الدولية مطلع هذا العام إلى أن التفاوت في الثروة على كوكبنا قد بلغ مرحلة متقدمة، حيث أن الثروة المجتمعة لأغنى 85 شخصاً تساوي ثروة أفقر 3.5 مليارات نسمة. ما يطرح مسألة المساواة كأحد التحديات الاساسية التي تواجه جهود محاربة الفقر والعدالة الاجتماعية.
وفي ظل النقاش الدولي الذي تقوده منظمة الامم المتحدة حول النموذج التنموي العتيد لـ«خطة ما بعد عام 2015»، لا بدّ أن يتضمن الاطار التنموي المتوقع وبصورة أساسية سياسات إعادة التوزيع العادل للدخل، لتقليص الهوة بين شرائح المجتمع، ومن ثمّ تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وبالتوازي، تأتي أهمية سياسات «تمويل التنمية» ضمن «خطة عمل ما بعد عام 2015»، التي تتطلب تعبئة فعالّة للموارد المحلية. في هذا الصدد، ترى «شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية» أن السياسة الضريبية تعد واحدة من أهم المواضيع المتعلقة بسياسات إعادة التوزيع وتعبئة الموارد المحلية.
وضمن هذه الرؤية، تحتل الانظمة الضربية مكانة اساسية في التوجهات الجديدة، التي ترمي الى معالجة الاختلالات والازمات الناجمة عن السياسات السابقة، على الا تبقى المقاربة المعتمدة تعتقد بأن الضرائب آلية لتمويل خزينة الدولة، ومصدر من مصادر الواردات العامة فحسب، لا بل بوصفها آلية لاعادة توزيع الثروات أيضاً، وتستند الى مفهوم المواطنة التي تقوم على مفهوم «الحقوق والواجبات» من جهة، ومن جهة ثانية على تعزيز قدرة المواطن على المساءلة والمحاسبة لكونه دافع ضرائب، اي المكلف الرئيسي.

واقع الأنظمة الضريبية

بعد عقود من العمل من أجل تحقيق معدلات نمو مرتفعة نسبياً في المنطقة العربية، ولا سيما بين الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بدأ النمو بالتباطؤ ابتداءً من مطلع الثمانينيات. ويعود ذلك، الى حد كبير، الى التأثير الذي تركه الركود الاقتصادي في جميع أنحاء العالم في أوائل الثمانينيات، والذي أثر على نحو خاص في بلدان المنطقة العربية، حيث لم يكن أداء النمو في هذه الدول أقل من المتوسط العالمي فحسب، بل كان أيضاً أقل من اكثر المناطق فقراً في العالم كمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء.
ولأكثر من ثلاثة عقود، نفذت دول المنطقة «برامج التكيف الهيكلي» المصممة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي شملت الإصلاح المالي كأساس، بما في ذلك خفض العجز من خلال خفض الديون، وخفض الإنفاق، وازالة الإعانات الحكومية، وزيادة الواردات العامة من خلال الضرائب غير المباشرة. فبالرغم من الاتجاهات الإيجابية في مؤشرات النمو الاقتصادي، التي عرفتها بعض بلدان المنطقة مثل مصر وتونس والمغرب، إلا أن هذا النمو لم يستفد منه غالبية الناس. على العكس، فقد تميزت التنمية في الدول العربية بأنها تطاول نخباً، لا القاعدة الشعبية الواسعة. وهي في معظم الأحوال تزيد الهوة بين الفقراء والأغنياء، إضافة الى ذلك، عانت بلدان المنطقة العربية تراجعا في القدرات الإنتاجية نتيجة التزامها مثل هذه السياسات التقليدية، بما في ذلك تراجع الانتاج الصناعي كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحولا كبيراً نحو القطاعات الخدماتية ذات القيمة المضافة المنخفضة. واقترن هذا مع انخفاض في الأنشطة المدرة للعمل اللائق، وزيادة في معدلات الفقر وعدم المساواة، ولا سيما على الصعيد الجغرافي، حيث أن التوزيع غير العادل في معدلات الفقر الإقليمية يعني أن فوائد النمو لا تتدفق بالتساوي في المناطق المختلفة، كما هو الحال بين تونس الساحل وتونس الداخل، على سبيل المثال. وقد ساهمت هذه السياسات الى حد كبير في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في المنطقة الى 9٪ في المغرب، و30٪ في اليمن، مع وصول معدل بطالة الشباب الى أكثر من 50٪ في اليمن، وحيث كانت المرأة هي الأكثر تضررا.
يحتل النظام الضريبي موقعاً أساسياً في العقد الاجتماعي، ويمثل أداة قوية للحد من التفاوتات. وتوفر الضرائب أصولاً مالية تدعم خزينة الدولة، التي تستفيد منها لتنفيذ المشاريع وتأمين الخدمات العامة للمواطنين. وهكذا، يسهم المواطنون في النفقات العامة كل بحسب قدرته النسبية، من خلال تقديم نسبة من المدخول الذي يجنونه، تحت رعاية الحكومة وحمايتها.
الا أنه في العالم العربي، لم يتبلور «دور الضريبة» وأهميتها على نحو سليم لدى مختلف أصحاب المصلحة. ففي منظور الحكام، الضريبة ليست الا أداة لجلب الايرادات للخزينة، أما من منظور المواطن، فليست الا عبئا على قدرته الشرائية في ظل شبه غياب للخدمات العامة اللائقة.

سمات النظام الضريبي

أما في ما يخص الأنظمة الضريبية المعتمدة في الدول العربية، فلها أوجه تشابه عدة:
- تعتمد تلك الدول بالإجمال على تحصيل الضرائب المباشرة وغير المباشرة من أجل تحصيل الإيرادات، وبالتالي يراوح الإنفاق العام من الموازنة، الذي يأتي من الجباية الضريبية، بين 60 و70 في المئة، الأمر الذي يشير بوضوح الى الطبيعة الريعية لهذه الاقتصادات، التي تعتمد على الريع وعلى التحصيل الضريبي أكثر من اعتمادها على موارد إنتاجية واقتصادية تابعة للدولة.
- التحصيل الضريبي يعتمد على نحو كبير على الضرائب غير المباشرة (تحصيل الضريبة من قيمة الاستهلاك) مع تعدد المسميات (ضريبة مبيعات، استهلاك، ضريبة قيمة مضافة). والجدير بالذكر أن المسدّد الأساسي لهذه الضرائب الكبيرة هو الشرائح الفقيرة والمتوسطة، حيث انه كلما قلّ الدخل، ازداد العبء الضريبي من مجمل الدخل مقارنة بالأغنياء.
- عدم وجود تصاعدية في ضرائب الدخل على الأفراد والشركات مقارنة بالمعدل العالمي الذي يصل إلى نحو 50 في المئة. فتكون الضريبة تصاعدية الى حد معين، حيث أن أي ربح يتخطى هذا الحد لا يخضع لضريبة.
- الأنظمة الضريبية في تلك الدول تعطي إعفاءات كبيرة للشركات وللاستثمارات الأجنبية والأغنياء، تحت عنوان «تشجيع الاستثمار». غير ان الأداء الاقتصادي للدول المعنية قد أظهر أن هذا التشجيع لا يؤتي ثماره، الأمر الذي يجعل ضريبة الشركات وضريبة الدخل الأقل مقارنة بالضرائب غير المباشرة، التي تمثل عبئا أكبر على ذوي الدخل المحدود.
- العبء الضريبي موزّع بصفة غير عادلة بين الفاعلين الاقتصاديين. ففي المغرب مثلاً، عبء الضريبة على الشركات تتحمله فئة قليلة من المقاولات، حيث أن 2% فقط من المقاولات تؤدي ما قدره 80 % من مجموع الضريبة على الشركات، كما أن 73 % من مجموع الضرائب على الدخل مصدرها الأجراء (بحسب ما أقرّه المجلس الاقتصادي والاجتماعي في ختام دورته العشرين 2012).
- تواجه الدول العربية تحدّيا بارزا يكمن في «التهرب الضريبي». فتتعدد أشكال التهرب الضريبي التي يترتب عليها ضياع كم هائل من المداخيل الضريبية، من بينها الجنات أو الملاذات الضريبية والتملص المحاسبي. فمن جهة، هناك من يستغل الثغر القانونية لكي لا يدفع ضريبة الى الدولة، ومن جهة أخرى، هناك من يستغل عجز الإدارة الجبائية عن التتبع والتحقق من المداخيل، لإخفاء أكبر قدر من ثرواته أو مداخيله الحقيقية، بهدف تأدية أقل حصة ضريبية ممكنة. وبنتيجة التهرب الضريبي تتحقق ايرادات أقل للدولة، وبالتالي تقدم خدمات أقل إلى المواطنين ويجري، عملياً، تجريدهم من حقوقهم.
بالنتيجة، يؤدي ذلك الى زعزعة الثقة بين الدولة والمواطن ما يدفعه الى تجنب القيام بواجباته المالية تجاه الدولة، فيدخل النظام في حلقة مفرغة من عدم الثقة وعدم الاستقرار الضريبي.




اجتماع إقليمي اليوم حول العدالة الضريبية

تنظم شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، بالتعاون مع منظمة «Christian Aid»، اجتماعا إقليميا اليوم وغدا في أوتيل غولدن توليب سيرينادا ــ الحمرا، حول العدالة الضريبية في المنطقة العربية تحت عنوان «النظام الضريبي والعدالة الاجتماعية». ومن المفترض أن يشارك في الاجتماع خبراء وممارسون من داخل المنطقة ومن خارجها، بمن فيه ممثلون من الحكومة اللبنانية بهدف مناقشة النتائج الرئيسة التي خلصت إليها الدراسات الوطنية والتقويم المقارن اللذين أعدتهما الشبكة العربية. وسيوفر الاجتماع منبرا لإطلاق الحوار بين المشاركين حول القضايا الضريبية في المنطقة العربية، وعلى المستوى العالمي، وتبادل الخبرات والمعارف المتصلة بالقضايا الضريبية، فضلاً عن مناقشة استراتيجية مشتركة بين منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية تتناول المدافعة وتنظيم الحملات ووضع هذه الاستراتيجية، وذلك بغية تبني سياسات ضريبية أكثر عدلا على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية. وكانت شبكة المنظمات العربية غير الحكومية قد أعدّت ست دراسات مرجعية وطنية حول الأنظمة الضريبية في العالم العربي، وذلك بالتعاون مع عدد من أعضائها وشركائها على المستوى الوطني من ضمنهم مرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وبعض الباحثين المستقلين.
وتناولت هذه الدراسات ستة بلدان عربية مختلفة، المغرب والأردن ولبنان وفلسطين وتونس ومصر، كما حددت المظاهر المشتركة التي تتسم بها الأنظمة الضريبية في هذه البلدان الستة.