على رغم من تأييد 89.4% من الشعب الإيراني خيار الحجر الصحّي للمدن التي تفشّى فيها فيروس «كورونا»، فإن هذا الإجماع، الذي أظهره أحدث استطلاعات الرأي، لم يُترجم في أصوات نواب البرلمان الذين رفضوا، قبل عدّة أيام، قانون تعطيل البلاد لمدة شهر. وبذلك لم تواجه حكومة الرئيس حسن روحاني، أيّ عقبات قانونية في طريقها لتطبيق خطّة «التباعد الاجتماعي الذكي» التي شرعت في تنفيذها صباح السبت الماضي، حين استؤنف العمل طبقاً للخطّة في بعض الأشغال مع المحافظة على مسافة التباعد الاجتماعي. وقامت وزارة الصحة، في هذا الصدد، بتحديد 100 بروتوكول لعشرة آلاف مهنة.

تفضيل الحكومة الإيرانية معاودة بعض النشاط الاقتصادي في البلاد، على حساب خيار الحجر الصحي، جاء بسبب «انعدام إمكانية الحصول على نتيجة عمليّة من قرار الحجر الصحي»، وفق ما يتوقّع السياسي الإصلاحي عباس عبدي، في مقاله بصحيفة «شهروند» شبه الحكومية. وفي وقت سابق، برّر الرئيس روحاني ذهاب حكومته في هذا الاتجاه بأن «حياة ومعيشة وأعمال الشريحة الضعيفة في المجتمع ومستقبل أبنائنا تحظى بأهمية وأولوية، تماماً مثل صحّتهم». كذلك، اعتبر سكرتير «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني علي شمخاني، أن «الطبيب والعامل هما الدعامتان الأساسيتان لتجاوز الأزمة»، مشدّداً على ضرورة عدم التوقّف عند قطبية «الاقتصاد - الصحة»، لأن تكافل الطرفين، بحسب رأيه، يُعد النموذج الأمثل لعبور الجائحة بأقلّ الأضرار.
وفي آخر إحصائيات الأضرار، أوضح وزير الاقتصاد فرهاد دحبسند، أن خسائر إيران جراء الوباء تُقدّر بـ 15% من إجمالي الناتج المحلّي. كما أعلن مساعد محافظ طهران للشؤون الاقتصادية محمد إمامي، أن 34 ألف شخص فقدوا وظائفهم في العاصمة منذ بداية انتشار المرض. أما على مستوى البلاد، فيؤكد المتحدّث باسم الحكومة علي ربيعي، أن أربعة ملايين إيراني باتوا معرّضين لفقدان وظائفهم في الأزمة.
انطلاقاً من هذه الأرقام، يرى الباحث الإيراني عماد آبشناس، أن «الاقتصاد الإيراني لا يستطيع تحمّل أعباء تعطيل البلاد لمدة طويلة، ولا سيما في ظل عدم القدرة على التنبؤ بالمدة الزمنية التي يجب انتظارها للكشف عن دواء أو علاج لمواجهة هذا المرض». على هذا الأساس، يلفت آبشناس، في حديث إلى «الأخبار» إلى أن «إيران من الممكن أن تواجه انهياراً اقتصادياً لو لم تتخذ حكومتها هذا القرار»، لأن الحكومة «لا تسمح لها الظروف الاقتصادية بتغطية تبعات إقفال الأعمال»، الأمر الذي دفعها إلى «مسك العصا من الوسط، بغية تمكين الناس من تغطية تكاليفهم، وتأمين صحتهم مع بعضهم البعض». من جانبه، اتفق الكاتب الإيراني علي تاجر نيا، مع أسباب إقرار الحكومة لهذه الخطّة، مضيفاً في افتتاحية صحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية، أن «الضربات التي تسبَّب بها كورونا، وخاصّة في قطاع الخدمات الذي يمثّل بشكل رئيسي 50% من حجم التداول الاقتصادي للبلاد، والتي يقوم بها بشكل رئيسي الناس والقطاع الخاص، ستوجِّهُ ضربة وصدمة شديدة لاقتصاد البلاد».
الجدير ذكره أن مشاهد الازدحام التي تغصّ بها الشوارع الإيرانية، برغم البدء في تطبيق الخطة، تفتح المجال للتساؤل عن جدوى «التباعد الاجتماعي الذكي»، وإمكانية تطبيقه. وهو الأمر الذي جزم شمخاني بقدرة البلاد على تنفيذه كونها «تعلّمت على مدار سنوات عديدة فن الحياة تحت طائلة الأزمات». ويشير إلى أن موافقة المرشد علي خامنئي «على سحب مبلغ من صندوق التنمية الوطني يُعد طريقاً آمناً لاجتياز هذا الدرب».
في المقابل، يتوقّع الخبير في الشؤون القانونية نعمت أحمدي «عدم قدرة الحكومة على محاصرة الوباء وإبقاء العجلة الاقتصادية مستمرّة في آن واحد»، مشيراً في مقاله بصحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية، إلى أن «هذين الهدفين متناقضان». وقد توافق مع ذلك الكاتب الصحافي سياوش كافيني، الذي بيّن في مقال بصحيفة «سياست روز» الأصولية، أن «إزالة الحد الأدنى من القيود، ستزيد من زمن وجود الفيروس في إيران». كما اعتبرت صحيفة «كيهان» الأصولية أن «اتخاذ قرار بوجوب حضور 50% من العمال في أماكن عملهم يُعدّ سبباً كافياً لإحداث الازدحام والكثافة المرورية». لكن آبشناس يقول لـ«الأخبار»، تعليقاً على هذه التحذيرات، إن «تجنّب الموت بسبب كورونا، سيضع الناس أمام الموت من الجوع»، الأمر الذي يُلقي «بقسم من عبء مكافحة كورونا على عاتق الناس، الذين يجب أن يراعوا التعليمات الصحية الخاصة». وهذا، بحسب تشخيص رئيس «اللجنة الثقافية الاجتماعية» بمجلس مدينة طهران محمد جواد حق شناس، في مقال بصحيفة «ستاره صبح» الإصلاحية «يجعل الشعب الإيراني وحده الحامل للتبعات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذه المرحلة، كما تحمّل وحده العبء الثقيل لاقتصاد المقاومة طوال سنوات العقوبات».

قامت وزارة الصحة بتحديد 100 بروتوكول لعشرة آلاف مهنة


التبعات الصحّية والاقتصادية للخطّة، وإن كان يصعب التنبؤ بتفاصيلها بشكل دقيق، إلا أنه يمكن الاقتراب منها على ضوء خمسة سيناريوات صادرة حول هذا الشأن من عدّة مؤسسات إيرانية. يشير السيناريو الرابع الذي عرضه الناطق باسم مكتب روحاني للشؤون العلمية برويز كرمي، إلى أن المستوى المتوسّط من التدخّل الحكومي من خلال فرض إجراءات مثل التباعد الاجتماعي، وتعطيل المدارس والجامعات، وإلغاء الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية وتقييد تنقل وتردّد الأفراد، سيخفض الوفيات إلى ما يقارب الـ 11 ألف شخص.
أمّا السيناريوات الثلاثة التي خرجت بها جامعة «شريف» للتكنولوجيا، فبموجبها تدور الخطّة في فلك السيناريو الثاني (الأسوأ) الذي يقول إن «التزام 50% فقط من الناس بالإرشادات، بما في ذلك الحد من التنقل، يعني عدم السيطرة الكاملة على انتشار الفيروس، وهذا سيؤدي في النهاية إلى 300 ألف إصابة و 110 آلاف وفاة».
على الصعيد الاقتصادي، فإن الأضرار الاقتصادية التي ستتكبّدها إيران بعد تطبيق الخطة قد تتأرجح ما بين السيناريو الواقعي والتشاؤمي الذي صدر عن غرفة أصفهان التجارية. الأخيرة تكهّنت أن تصل الخسائر في السيناريو الواقعي إلى 429 ألفاً و207 مليارات تومان، بينما رجّحت أن تصل خسائر السيناريو التشاؤمي إلى 542 ألفاً و 818 مليار تومان، علماً بأن الدولار الواحد يعادل 4200 تومان بالسعر الحكومي، فيما يبلغ 16200 بسعر السوق.