«أُحبّ أن تبقى الأرقام حيث هي»؛ بهذه الكلمات، برّر دونالد ترامب محاولة منع ركّاب سفية «غراند برنسيس» مِن النزول على الأراضي الأميركية. أدلى الرئيس الأميركي بهذا التصريح في 6 آذار الماضي. كأن مئة عامٍ مرّت منذ ذلك التاريخ. تدّعي الفيثاغورية بأن «كلّ شيءٍ أرقام». لذا، يبدو طرح ترامب لمسألة الأرقام جزءاً مِن نقاشٍ قديم لا ينفكّ يتجدّد. مسألةٌ تمثِّل معضلة بالنسبة إلى رئيسٍ تراوحت ردود فعله بين تفاؤل مفرط في بداية عاصفة الوباء: «الأمور تحت السيطرة»؛ وتشاؤم مفرط في لحظة الفيروس الحرجة أميركيّاً: «سنشهد أسبوعَين مؤلمَين جداً». جُلَّ ما يهمّه، حالياً، بعدما فشلت إدارته في تقليص حجم الأضرار، أن يذهب إلى انتخابات تشرين الثاني مُكلّلاً بانتصارٍ على المرض. لم يجرؤ أحدٌ لغاية اليوم على الإشارة، مثلاً، إلى احتمال إرجاء موعد الانتخابات، رغم أن احتمالاً كهذا لا يبدو مستبعداً في حال لم تتم السيطرة على الوباء. وهو، إن حصل، سيشكِّل سابقةً في التاريخ الأميركي. على أيّ حال، تعيش الولايات المتحدة، راهناً، أسوأ أيامها. المَنحى التصاعدي لـ«كوفيد-19»، بات التحدي الأوّل لدولة ليست جاهزة لاستيعابه، نظراً إلى جملة عوامل، تبدأ بالفوضى التي تعتري المؤسسات الأميركية والسباق إلى صناعة «أبطال» على شاكلة حاكم نيويورك أندرو كومو، وصولاً إلى هشاشة النظام الصحّي، والنقص في كلّ شيء (معدّات طبية وأطباء وممرّضين).

لنعُد إلى الأرقام؛ بحلول مساء أمس، سَجّلت أميركا ما يزيد على 350 ألف إصابة، بينما تجاوزت الوفيات الـ10 آلاف. غير أن هذه الأرقام، على ضخامتها، ليست سوى عيّنة من الأرقام الحقيقية. هذا ما كشفته صحيفة «واشنطن بوست»، أول من أمس، لدى إشارتها، نقلاً عن مسؤولين في قطاع الصحة وآخرين حكوميين، إلى أن الفيروس يقتل أميركيين يُترَكون خارج التعداد الرسمي لحصيلة الوفيات المتزايدة. وفق العلماء الذين يحلّلون إحصائيات الوفيات الناجمة عن الإنفلونزا وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى، لا يزال من السابق لأوانه تقدير العدد الحقيقي للضحايا. نتيجةً لذلك، يفتقر مسؤولو الصحة العامة وأولئك الحكوميون إلى رؤية شاملة لعدد الوفيات مِن جراء الوباء، وهم يقيّمون مساره. لذا، فإن عدد الوفيات المتوقّع الذي أشار إليه الرئيس الأميركي وفريقه (قدّروا وفاة 100 ألف إلى 200 ألف)، لا يستند، في ما يبدو، إلى رؤية علميّة. وعليه، يمكن ترامب، في حالة تسجيل البلاد 50 ألف وفاة، مثلاً (وهو رقم مهول) أن يدّعي الانتصار على المرض الذي كان سيحصد أرواح آلاف آخرين لو لم يتدخّل لإنقاذهم عبر سياسات سيقول إنها أثبتت نجاعتها. سيصدّقه الأميركيون المذعورون، وسينتخبونه لولايةٍ ثانية.

الفيروس يقتل أميركيين يُترَكون خارج التعداد الرسمي لحصيلة الوفيات المتزايدة


مثل المعركة الأوسع ضدّ الفيروس، تمّت إعاقة المهمة الأساسية لعدّ الضحايا، عبر اعتماد نهج مرقّع يعكس فوضى مستفحلة، إذ تستخدم الولايات الأميركية بروتوكولات غير متناسقة وتكافح وسط نقص حادّ في الموارد، تركها تتقاتل في ما بينها من أجل الحصول على الإمدادات الطارئة. دفع ذلك الحكام إلى فرض قيود مثل الحجر الصحي الإلزامي على الولايات المجاورة؛ فأقامت فلوريدا نقاط تفتيش لتحديد السيارات القادمة مِن نيويورك ولويزيانا، فيما قرّر مسؤولو تكساس فحص السائقين الذين يدخلون مِن لويزيانا، وظلّت ولاية نيويورك مركز انتشار المرض، وسط توقّعات بأن تصل إلى ذروة تفشّي الوباء هذا الأسبوع، والتقدير لحاكمها. ويلفّ الفيروس، حالياً، المدن والضواحي المكتظّة بالسكان في نيوجيرسي، وقد انتشر في جميع الولايات الخمسين، حيث تتضاعف الإصابات في مدن مثل لوس أنجلس وميامي ونيو أورلينز، كل يومين إلى خمسة أيام. استناداً إلى تلك المعطيات، دعا عدد من حكّام الولايات البيت الأبيض إلى وضع استراتيجيّة وطنيّة لاحتواء التفشّي السريع للفيروس. حاكمة ولاية ميشيغان، غريتشن ويتمر، قالت لـ«فوكس نيوز» إن «غياب استراتيجيّة وطنيّة تُطبَّق على أساسها سياسة واحدة في البلاد خلافاً لسياسات متفرّقة في كلّ ولاية تعتمد على مَن هو الحاكم كما هو حاصل الآن، هو أمر أعتقد أنه يزيد من خطورة الوضع بشكل يتسبب ببقاء الوباء لوقت أطول ويؤدي إلى مرض المزيد وخسارة مزيد من الأرواح».
وفي أول مراجعة تجريها الحكومة الأميركية لقدرة المستشفيات على التعامل مع تفشّي الفيروس، أكّد محقّقو وزارة الصحة، أمس، أن المرافق الطبية على مستوى البلاد تواجه «تحديات كبيرة»، منها النقص في المعدات الطبية ومعدات الحماية الشخصية فضلاً عن العاملين. وفي ما يتعلق بالفحوص وعلاج المرضى، لا تمتلك المرافق قدرات تخوّلها التعامل مع ارتفاع أعداد الإصابات، ما يؤثر نفسيّاً على الأطباء والممرضين، وفقاً لما ذكره المحقّق العام في وزارة الصحة والخدمات البشرية، في تقرير استند إلى مسح شمل 323 مستشفى في الفترة مِن 23 إلى 27 آذار.
ومع تجاوز عدد الوفيات العشرة آلاف، حذّر كبير العلماء الأميركيّين العاملين في مكافحة الفيروس في الإدارة الأميركية، أنطوني فاوتشي، من «تفاقم» وشيك للوباء، داعياً الأميركيين إلى الاستعداد لـ«أسبوع سيّئ». كذلك، حضّر المدير الفدرالي لخدمات الصحة العامة، جيروم آدامز، الرأي العام للأسوأ، قائلاً: «الأسبوع المقبل سيكون أشبه بلحظة بيرل هاربِر، بلحظة 11 أيلول/ سبتمبر، إلا أنّه لن يكون في مكان واحد». لكنّ الرئيس الأميركي وجد نبرةً أكثر تفاؤلاً: «أميركا قوية... الضوء في نهاية النفق».