قبل تفشّي فيروس «كورونا» بحوالى سنة، انتشرت على الإنترنت «نظرية مؤامرة» تقول إن معدات الجيل الخامس للأنظمة اللاسلكية 5G، هي «مشروع عسكري» الهدف الحقيقي منه قمع تحرّكات الناس في الشوارع. وذهب البعض إلى حدّ الزعم بأن هذه المعدات قادرة على توجيه موجاتها نحو البشر ما يؤدي إلى رفع حرارة أجسامهم، والتسبّب في أوجاع مختلفة، وحتى منعهم من الحركة. وتطوّرت هذه النظرية لتربط، أخيراً، وجود معدّات الـ5G بفيروس «كورونا»، ولتنتشر كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى إثرها، حطّم بريطانيون غاضبون عدداً من تلك الأجهزة، فيما تزايدت الأصوات المعارِضة لوجودها في عدد من البلدان.

بعد التمحيص في نطاق انتشار هذه الأخبار، تبيّن أن المستفيد من الربط بين فيروس «كورونا» وأجهزة 5G هي المواقع الإلكترونية التابعة للمجموعات المتطرّفة، مثل New Agers واليمينيين ومنظّري المؤامرة، والتي تسعى للحفاظ على حركة مرور ضخمة. بالتالي، تعمد هذه الأخيرة إلى إعادة اختراع نظريات تُبقي على نسبة حركة دخول مرتفعة على مواقعها، عبر منح المتابعين شعوراً بالسيطرة، في لحظة فوضوية عالمية حقيقية. وممّا تستند إليه، مثلاً، الترويج لنظرية تقول إن «فيروس كورونا خلقته الحكومة الصينية، وهو جزء من مخطط يهدف إلى تخفيض عدد السكان، من قبل الرئيس التنفيذي السابق لشركة Microsoft بيل غيتس».
لم تقف هذه النظرية عند حدود بريطانيا، بل وصلت إلى الولايات المتحدة، حيث نشرت صحيفة «نيويورك بوست» تقريراً، أفادت فيه بأنّ ما عزّز ترسّخها في عقول البعض، هو تناقلها من قبل مشاهير، مثل الممثل وودي هرٍلسن والمؤدية M.I.A ومغني الراب Paper Planes، على حساباتهم الخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي.
قد يبدو الأمر مضحكاً للوهلة الأولى، إلّا أنّ ما يحصل في عدد من الدول بات جدياً، إلى درجة دفعت بأكبر أربع شركات مشغّلة للهواتف المحمولة في المملكة المتحدة إلى إصدار بيان مشترك، تطلب فيه المساعدة لمنع حرق أو تكسير أبراج الـ 5G. وقد جاء هذا البيان، بعدما استهدفت أبراج خلوية عديدة في بريطانيا، يصل سعر بعضها إلى 57 ألف دولار.
من جهة أخرى، دفع هذا الواقع وسائل الإعلام حول العالم إلى شرح كيفية عمل معدات الـ5G، منعاً لانتشار الأخبار الكاذبة حول فيروس «كورونا»، ولحماية تلك المعدّات من التكسير والحرق. كما أعلنت شركة «يوتيوب»، أنها ستتخذ إجراءً يحدّ من تداول المقاطع التي تنشر ادعاءات كاذبة عن أنّ تقنية 5G مرتبطة بالفيروس، بحسب ما ذكرته صحيفة «ذا غارديان» البريطانية.
وفي تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC على موقعها، بعنوان «يُعتبر الجيل الخامس آمناً من قبل العلماء، ولكنّه يُقيّد بمعايير إشعاع أكثر صرامة»، أفادت بأن الناس يشعرون بالقلق من مدى سلامة الجيل الخامس، وبأنّ مجموعات قامت بحملات للضغط من أجل فرض معايير أكثر تشدداً على نسبة الإشعاعات المنبعثة من أبراج الإرسال، مدّعية أنّ التردّدات العالية المستخدمة «خطيرة». بناءً عليه، قامت شركة Ofcom المنظمة للاتصالات بفحص مواقع شبكات الـ 5G. وأجرت 16 اختباراً، حتى الآن، في المواقع التي تشهد استخداماً مرتفعاً للهاتف المحمول. وتبيّن في كلّ فحص، أنّ انبعاثات الإشعاع كانت «جزءاً صغيراً» ممّا كان مسموحاً به، مع تسجيل نسبة أعلى بـ1.5٪ فقط، من الحد الأقصى في بعض الأماكن. وفي هذا المجال، يؤكد الدكتور إريك فان رونجن، رئيس اللجنة الدولية للحماية من الإشعاع غير المؤين (ICNIRP)International Commission on Non-Ionizing Radiation Protection، أنّ المعايير المشدّدة والمفروضة في المملكة المتحدة، مثلاً، توفّر «مستوى حماية أعلى قليلاً من الإرشادات العالمية المتّبعة». وإذ يضيف أنه «لم يكن هناك دليل علمي على أي ضرر»، يوضح أنّ «دراسة جميع أنواع التأثيرات الأخرى لم تؤدّ إلى أدلّة علمية تؤكد إذا ما كانت الموجات الراديوية يمكن أن تسهم في تطوّر السرطان أو (أي مرض آخر) في جسم الإنسان».