أعلن ناريندا مودي أكبر إغلاق في العالم، داعياً سكّان الهند البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة إلى ملازمة منازلهم لـ 21 يوماً، لإبطاء انتشار فيروس «كورونا». «الصفح» الذي طلبه رئيس الحكومة من فقراء بلاده لم يكن كافياً، وسط تفاقم التداعيات الاقتصادية والإنسانية للحجر الصحي على مستوى البلاد، وتَصاعُد الانتقادات لغياب التخطيط المناسب مِن قِبَل الحكومة، قبل اتخاذ قرارٍ وقَع كالصاعقة على ملايين الفقراء الذين يفتقرون إلى الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة. انتقاداتٌ سرعان ما ردّت عليها الحكومة بإعلان سيكون وقعه أسوأ مِن الأوّل: لسنا في وارد تمديد إجراءات العزل إلى ما بعد الخامس عشر من الشهر الجاري.

سجّلت الهند، حتى يوم أمس، ما يزيد قليلاً على 1,600 إصابة بـ«كوفيد-19»، و45 حالة وفاة. ورغم أن الأعداد تبدو مقبولة بالمقارنة مع عدد السكان، إلا أن خطورتها تتضح لدى معرفة أنها تشكِّل نسبة 4% من مجموع الاختبارات التي أجريت، حتى تاريخ 31 آذار/ مارس، والبالغة 38 ألفاً فقط. وفي غياب إجراءات عزلٍ صارمة، يمكن البلد أن يسجّل ما بين 300 مليون إلى 500 مليون إصابة بحلول نهاية تموز/ يوليو (30 مليوناً إلى 50 مليون شخص ستكون حالتهم خطيرة)، وفقاً لبعض التقديرات. ومن شأن وجود أعداد ضخمة مِن الفقراء الذين يعيشون في ظروف غير إنسانية، أن يساهم في نشر الفيروس على نطاق واسع، وخصوصاً في ظلّ ضعف البنية التحتية للصحة العامة، مع وجود 0.7 سرير مستشفى فقط لكل 1000 شخص، مقارنة بـ 3.4 في إيطاليا، و2.9 في الولايات المتحدة، فيما يوجد أقل من 50 ألف جهاز تنفُّس في البلاد. ويشير رامانان لاكسمينارايان، مؤسس ومدير مركز «ديناميّات الأمراض والاقتصاد والسياسة»، الذي يقدّم المشورة للحكومة الهندية، إلى أن «العديد مِن مزايا سيطرة الدولة الصينية ووجود أنظمة صحيّة في أوروبا أو الولايات المتحدة، ليست متاحة للهند. يجب أن يكون هناك ردٌّ مختلف».
وأثارت إجراءات العزل أزمةً إنسانية دفعت مئات الآلاف مِن العمال الذين كانوا يعملون بأجرٍ يومي، إلى مغادرة المدن الكبرى مثل دلهي ومومباي، عائدين سيراً على الأقدام إلى بلداتهم وقراهم بعدما فقدوا عملهم. وسار كثيرون لأيام، بعضهم مع أسرهم، على الطرق السريعة المهجورة، من دون أن يحصلوا على مياه أو طعام. تطبيق إجراءات العزل كان محل انتقاد مِن قِبَل المعارضة الهندية، التي قالت إن الحكومة فوجئت، في ما يبدو، بالتحرُّك الجماعي للمهاجرين عقب إعلان الإغلاق. وبينما انتشرت عبر وسائل الإعلام المحليّة صور العمال المهاجرين وهم يسيرون مسافات طويلة للعودة إلى ديارهم، كتب المعارض السياسي، راؤول غاندي، عبر «تويتر»: «الحكومة لم يكن لديها خطط طوارئ لهذا النزوح».

وجود أعداد ضخمة من الفقراء يمكن أن يساهم في نشر الفيروس على نطاق واسع


ولمنع تحوّل أزمة صحية إلى أزمة اجتماعية اقتصادية، أعلنت حكومة مودي، الأسبوع الماضي، عن برنامج تحفيز اقتصادي بقيمة 23 مليار دولار لدعم الفقراء، سيوزّع على الشكل الآتي: توفير حصص غذائية وأسطوانات غاز مجانية لـ 83 مليون أسرة، وتحويلات نقدية بقيمة نحو 7 دولارات شهرياً إلى حوالي 200 مليون امرأة للأشهر الثلاثة المقبلة. مساعدات تبقى ضئيلةً للغاية، إذ تشكِّل أقلّ من 1% من الناتج المحلي الإجمالي للهند، في حين يفاقم الإغلاق التداعيات الاقتصادية، بعدما تراجع النمو إلى أدنى مستوى له في ستّ سنوات. كذلك، أعلنت الحكومة عدّة تدابير أخرى لإعداد الهند للهجوم القادم. إذ تمّت الموافقة على حزمة بقيمة مليارَي دولار الأسبوع الماضي لشراء وسائل الوقاية الصحية للعاملين في القطاع الصحي (يتوقع أن تستورد الهند 10 آلاف جهاز تنفس من الصين، و20 ألفاً من الشركات المحلية)، وتوسيع مرافق الاختبار، وتدريب العاملين في مجال الرعاية في جميع أنحاء البلاد. ودفع نقص وسائل الوقاية بعض الأطباء في البلاد إلى استخدام معاطف المطر وخوذات الدراجات النارية أثناء مكافحة فيروس «كورونا»، الأمر الذي يكشف عن حالة الضعف التي تعتري نظام الصحة العامة، قبل زيادة متوقّعة في حالات الإصابة، تشير التقديرات إلى أنها قد تصل إلى 199 ألف شخص بحلول منتصف أيار/ مايو. وسلّطت هذه المحنة الضوء على نظام الصحة العامة المتداعي الذي يعمل بما يفوق طاقته، بينما غاب عنه الدعم لسنواتٍ طويلة، في بلدٍ يُنفق حوالي 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي على الصحة العامة، وهي مِن بين أقلّ النسب في العالم.