ربّ ضارّة نافعة... فقد أدى بقاء معظم سكان الأرض في منازلهم، كتدبير احترازي لمواجهة وباء «كورونا»، الى انخفاض كبير في نسب التلوث بالضجيج وفي الانبعاثات العالمية المسببة لتغير المناخ. الا أن علاقة الفيروس بالمناخ لا تقف عند هذا الحد. ورغم أن أحداً لم يجزم بعد بأن زيادة حرارة الأرض ستساهم في الحد من انتشاره، فممّا لا شك فيه أن الفوضى المناخيّة (بما فيها ارتفاع درجات حرارة الأرض باستمرار في السنوات الأخيرة) هي التي تسبّبت في الفوضى التشخيصية والتحليلية حوله وحول غيره من الفيروسات المحتملة والمتوقعة.

لم تحسم الدراسات الحديثة الجدل بعد حول ما إذا كان ارتفاع درجات الحرارة المتوقع قريباً سيساهم في القضاء على فيروس «كورونا» أم أنه سيزيد في انتشاره بعد تحوّله! إلا أن تقارير المناخ الدولية (الخمسة) لطالما ربطت بين تغير المناخ وانتشار الأوبئة. وقد وُضعت سيناريوات كثيرة توقعت أن يكون للتغيرات المناخية أدوار حاسمة في انتشار الأمراض المعدية بشكل مباشر أو غير مباشر، مع التشديد على أن العديد من العوامل البيئية يمكن أن تساعد في انتقال الأمراض الفيروسية في أنحاء العالم. وتشمل هذه العوامل (على مستوى العالم) التغيرات في درجات الحرارة والجفاف والرطوبة ونسب هطول الأمطار وسرعة الرياح… وغيرها. ولعل العامل الحاسم الذي لا جدل في مدى تأثيره هو تسبّب زيادة درجة حرارة الأرض في انتشار الأمراض المعدية، من خلال إنتاج بيئة تكيفية لبعض الفيروسات الخطيرة. فقد يحفز المناخ الحار ظهور ناقلات فيروسية مختلفة على مستوى العالم مثل البعوض والذباب والقوارض...كما تساهم الحرارة في تغيير دورة حياة الفيروسات، أو في تغيير توزيعها الجغرافي بما ينقل العدوى حول العالم.

انخفاض الطلب على الطاقة
ليس هناك دراسات عالمية أو وطنية بعد لتقدير حجم الانبعاثات التي وفّرتها البشرية خلال فترة محاربة فيروس «كورونا». فالحَجر المنزلي عالمياً ساهم، من دون شك، في انخفاض الانبعاثات، ولا سيما من قطاعات أساسية كإنتاج الطاقة والصناعة وقطاع النقل، إضافة الى تراجع معدلات التلوث بالضجيج الناجمة عن ضوضاء المدن (حركة النقل والصناعات وورش البناء...الخ)، وهو ما انعكس إيجاباً على الصحة العامة الجسدية والنفسية، وعلى كثير من الكائنات الحية كالطيور المدينية التي استمتعت بلا شك بهدوء المدن. وفي غياب الدراسات المفصلة حتى الآن، تظهر الدراسات الأولية بوضوح أن النتائج ستكون مبهرة، ولا سيما أن ما كان مطلوباً في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة لمحاربة تغيّر المناخ، ليس أكثر من «التخفيف» من انبعاثات إنتاج الطاقة وحركة النقل.
بعض الدراسات في الصين أظهرت انخفاض الطلب على الطاقة خلال الأزمة، ولا سيما في الإنتاج الصناعي، الى أدنى مستوياته مع انخفاض استهلاك الفحم الحجري (العدو الرقم واحد للمناخ) في محطات الطاقة وفي الصناعات الكبرى. وأشار بعض التقارير الى أن كل انخفاض في استهلاك الفحم الحجري قابله انخفاض في الانبعاثات، ولا سيما من ثاني أوكسيد الكربون، بنسب تجاوزت 30%. فيما أشارت تقارير أخرى الى انخفاض الجسيمات الدقيقة الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري عامة والمتسببة بأمراض صحية وتنفسية عدة.

النقل: المتهم الأول في لبنان
في لبنان، بيّنت النتائج المنظورة لصفاء الهواء واستعادة السماء زرقتها في الأيام الأخيرة فوق بيروت وضواحيها، أن قطاع النقل هو المسبب الرئيسي لتلوث الهواء وتغير المناخ، وليس قطاع الطاقة (يأتي ثانياً) كما تذهب التقارير الرسمية. فمع بقاء الناس في منازلهم، انخفضت الانبعاثات الناجمة عن قطاع النقل إلى أكثر من ٩٠ في المئة، على افتراض أن قطاع إنتاج الطاقة لم يتغير كثيراً لناحية الاستهلاك في المنازل وفي معامل الإنتاج والمولدات الخاصة. لا بل إن استهلاك الطاقة المنزلي ربما زاد في فترة الأزمة. وإذ أظهر توزّع الإصابات بالفيروس أن النسبة الأكبر من الإصابات سُجّلت في المتن، ولا سيما الساحلي منه، فإن ذلك مدعاة إلى التفكير والبحث في ربط هذه النتائج مع نتائج معدلات تلوث الهواء. إذ لطالما بيّنت الدراسات أن المتن الساحلي من أكثر الأماكن عرضة لتلوث الهواء الناجم عن قطاع النقل بسبب الازدحام ولقرب الجبل من الساحل، ولا سيما في الفترات التي ينحبس فيها الهواء، مع الأخذ في الاعتبار الكثافة السكانية! ناهيك عن أن في منطقة المتن مطمرين ومعامل لمعالجة النفايات يبدو أنها لا تعمل بشكل جيد وتتسبب بانبعاثات لا تقل خطورة عن التلوث الناجم عن النقل.

انبعاثات النفايات لم تتراجع
أما في ما يتعلق بالنفايات، وهي من القطاعات الأساسية المسببة لتلوث الهواء في لبنان (تتجاوز نسبة الانبعاثات الناجمة عن النفايات الـ ١٠ بالمئة من الانبعاثات الوطنية، مقارنة مع ٣ في المئة على المستوى العالمي)، فقد أكّدت جهات مشرفة على متعهدي جمع النفايات ومعالجتها وطمرها، أن حجمها تراجع خلال فترة الأزمة بسبب تراجع رواد الفنادق والمطاعم والملاهي والمنتجعات السياحية. وبالمقارنة مع التقارير اللبنانية التي تعتبر أن انبعاثات النفايات ومياه الصرف الصحي تسهم بـ 10,7 بالمئة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، ولا سيما من غاز الميثان الناجمة بشكل أساسي عن التسرب من المطامر والمكبات العشوائية وعن تحلل المكون العضوي من النفايات في مواقع التخلص من النفايات… فمن الصعب جداً الجزم بأن انبعاثات هذا القطاع تراجعت، وخصوصا في ظل انعدام التقارير المحدّثة حول الموضوع.

بيّن الحجر المنزلي أن قطاع النقل لا إنتاج الطاقة هو المسبّب الأول للتلوّث في لبنان

مع العلم بأن تراجع إنتاج النفايات في المصدر لا يعني تراجع الانبعاثات في المطامر والمكبات. لا بل إن تراجع عمل الشركات الملتزمة أثناء الأزمات وتراجع نظم الرقابة قد يساهم في زيادة هذه الانبعاثات. أما في ما يتعلق بتصريف مياه الصرف الصحي من دون معالجة مسبقة في البحر، والأنهار وخزانات الصرف الصحي، والتي تعتبر مسؤولة عن انبعاث 555 جيغاغراماً من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون أو حوالي 20 في المئة من انبعاثات القطاع… فمن الممكن جداً أن تكون هذه النسب قد زادت في الأزمة مع بقاء الناس في المنازل!

ماذا يعني وقف شركات الاسمنت؟
تعتبر الانبعاثات الناجمة عن شركات الترابة الأكبر بين كل الصناعات في لبنان من دون منازع، وبالتالي فإن توقف هذه المصانع عن العمل يساهم الى حد كبير في انخفاض الانبعاثات اللبنانية. التقارير الوطنية حول الانبعاثات الناتجة من العمليات الصناعية في لبنان قدرت انبعاثات معامل الاسمنت بـ 2,557 جيغاغراماً من ثاني أوكسيد الكربون في عام 2012، أي ما يمثل 9.7 في المئة من الانبعاثات الوطنية، كما أكدت أن صناعة الاسمنت هي المساهم الرئيسي في انبعاثات الغازات الدفيئة من هذا القطاع (أكثر من 99 في المئة). وبالمقارنة مع الانبعاثات العالمية، حيث يطلق هذا القطاع قدراً كبيراً من غاز ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي كل عام، يُعادل ما تُطْلِقه سيارات أوروبا، البالغ عددها 300 مليون سيارة؛ بما يزن 1.5 مليار طن… فإن توقف صناعة الاسمنت في لبنان قد يعادل وقف القسم الأكبر من قطاع النقل البري بأسره!