التظاهرات في شوارع حيّ السلم وطرابلس وغيرهما أمس، المطالِبة بما يعين الناس على الاستمرار بحجر أنفسهم، ليست سوى جرس إنذار. هي رأس جبل جليد الجوع الذي يهدد بنخر أجساد مئات الآلاف من اللبنانيين الممنوعين من العمل، بموجب قرار حكومي، والممنوعين أيضاً من التجول ليلاً (منع التجول ليلاً لا يزال بلا مبرر واضح من قبل الدولة). السكان ينفذون ما تقرره الحكومة، لا لخوف من دولة غير موجودة، بل لاقتناع منهم بضرورة الحفاظ على صحة الذين تخونهم مناعة أجسادهم في مقاومتها للفيروسات.

في المقابل، لا تزال الحكومة تسير ببطء. بعد شهر وأسبوع على بدء تسجيل الإصابات بفيروس كورونا، وفيما تتشدّد الإجراءات التي تقول الحكومة إنها ستساعد على التخفيف من سرعة انتشاره، لم يشعر سكان لبنان بوجود دولة يستندون إليها. «الزعماء» المحليون، والأحزاب، والجمعيات، موجودون لـ«مد يد العون». وبصرف النظر عن الرأي في عمل هؤلاء جميعاً، أو كلٍّ منهم على حدة، هم موجودون، ويعوّضون غياب دولة فشلوا في بنائها، وهي لم تكن موجودة يوماً. لكن هذا التعويض جزئي، ولن يحول دون انفجار اجتماعي، وقوده أولئك الذين سيُخيّرون بين «الموت بالفيروس» و«الموت جوعاً».
في الأصل، ثمة إجراءات لم تشرحها الحكومة. لماذا الإقفال، الكلي، على كامل الأراضي اللبنانية؟ بعض الأقضية لم تُسجَّل فيها أي إصابة. وغالبية سكانها ممن يحصّلون الكفاف بصورة يومية. ليس لهم دخل شهري ولا أسبوعي، بل يعيشون يوماً بيوم. لماذا يُمنع سكان تلك الأقضية من العمل؟ لماذا إقفال المحال التجارية ليلاً، بما يزيد من الازدحام فيها نهاراً؟ أليس من الأجدى السماح لمؤسسات كثيرة بالاستمرار بالعمل، شرط التزامها بمعايير سلامة العاملين فيها؟ لماذا لا تزال المصارف مقفلة، رغم أن الجميع، بلا استثناء، يعرفون ان إقفالها لا صلة له بوباء كورونا، بل بقرار مسبق اتخذه أصحابها قبل إعلان التعبئة العامة؟
تكثر الأسئلة التي تصب جميعها في خانة تأكيد الانكماش الاقتصادي الذي سبق كورونا إلى لبنان. هذا الانكماش سبّبه وباء آخر، لا صلة له بـ«كوفيد 19». وباءٌ بؤرة انتشاره موجودة في جمعية المصارف، التي أصدرت أمس بياناً مجبولاً بالوقاحة، تتحدّث فيه عن إحساسها بالمسؤولية التي يدفعها إلى تحويل أموال إلى الطلاب اللبنانيين في الخارج، واستعدادها لتحويل ثمن تذكرة سفر للراغبين منهم بالعودة إلى وطنهم! تبدو لغة البيان كما لو أن أصحاب ثروات السُّحت هؤلاء يتبرّعون من مالهم الخاص، لا أنهم يفرجون عن جزء بسيط من عشرات مليارات الدولارات التي قامروا بها على طاولة كبيرهم رياض سلامة، وحوّلوا الجزء الأكبر منها إلى ثروات شخصية لهم ولأبنائهم وأحفادهم.
الحكومة لا تشرح إجراءاتها، ولا تقوم بما يجب القيام به لردع لصوص ودائع اللبنانيين ومدخراتهم. والأنكى من ذلك، أنها شديدة البطء. صامَت أسابيعَ لتفطر على بصلة مقدارها 50 مليون دولار قالت إنها ستقدّمها لنحو 600 ألف عائلة، كمساعدات غذائية ومساحيق تعقيم وتنظيف. أكثر من 450 ألف عائلة تعيش تحت خط الفقر، و150 ألف أخرى يشدّها التوقف عن العمل إلى ما دون الخط نفسه أيضاً، تريد الدولة أن تقدّم لهم فتاتاً قدره نحو 100 دولار لكل أسرة (في حال زيادة المبلغ الذي أقرته الحكومة الأسبوع الفائت)، في ظل توجه للاستمرار بالإقفال حتى نهاية نيسان على أقل تقدير. 50 مليون دولار (أو أكثر بقليل)، في اقتصاد كان ناتجه الإجمالي يُقدّر عام 2018 بنحو 56 مليار دولار. وبصرف النظر عن دقة ذلك التقدير، إلا أنه يعني بأن على الحكومة أن تنفق بصورة عاجلة مليارات الدولارات، فوراً، لتحفيز الاقتصاد. لكن، وبدلاً من ذلك يتباهى «المسؤولون» بالتقشف، ثم يُقررون إنفاق 50 مليون دولار، على شكل مساعدات غذائية. وهذا المبلغ لن يحول دون انفجار اجتماعي ظهرت أول ملامحه في حيّ السلّم أمس، وفي طرابلس والميناء وغيرهما في أيام سابقة.
المطلوب من الحكومة بسيط. أن تخرج من دائرة التردد، وأن تقرر دفع المال، مباشرة، للأسر التي بات معيلوها بلا عمل. قبل أي شيء آخر، عليها ألا توقِف رواتب المياومين والعاملين بعقود ومقدّمي الخدمات وغيرها من الصفات التي احتالت بها الدولة لعدم التوظيف في السنوات السابقة. وأموال هؤلاء مرصودة في الموازنة، ولن تكون إنفاقاً إضافياً. بالتزامن مع ذلك، يمكن الحكومة، ببساطة، أن تدفع الحد الأدنى للأجور شهرياً، على أقل تقدير، لكل عائلة لا يعمل معيلها. 675 ألف ليرة لـ 600 ألف عائلة، يعني نحو 405 مليارات ليرة لا أكثر. ولا يجوز هنا التذرّع بأن الدولة لا تملك المال. نفقاتها خارج بند الرواتب والأجور وملحقاتها تلامس الصفر، وأسعار النفط تراجعت، فيما أسعار المحروقات مُجمّدة لمصلحة الخزينة. وودائع الدولة في مصرف لبنان (خاصة في الحساب رقم 36)، وصلت إلى نحو 8 آلاف مليار ليرة لبنانية في الشهر الأول من العام الجاري، بحسب الأرقام التي ينشرها «المركزي» على موقعه الإلكتروني. والحديث هنا عن إنفاق بالليرة، لا بالدولار. وفي أسوأ الأحوال (ورغم عدم الحاجة لذلك) يمكن رياض سلامة، لمرة واحدة، أن يطبع كمية من المال للفقراء لا لأصدقائه من أصحاب المصارف. كذلك لا يجوز التذرع بخطر التضخم. أصلاً، الاقتصاد منكمش، وزيادة الأسعار سببها، على ما قال وزير الاقتصاد أمس، سعر صرف الدولار لا زيادة الكتلة النقدية والطلب على الاستهلاك.
المطلوب من الحكومة أن تُنفق، من مال الناس، لحماية الناس أولاً، ولمنع انفجار اجتماعي ثانياً، ولتحفيز الاقتصاد ثالثاً... ولحماية نفسها رابعاً. ولا يصدّقن أحد أن تهديد كورونا سيُجبر الجائعين على البقاء في المنازل.