أمام التهامس التآمري الجارف في العقل السياسي، بحثاً وتنقيباً عن تفسير واضح لتحليل ما يحصل في عالمنا الموبوء، مع انتشار فيروس «كورونا» المستجد، والذي يمثل حدثاً تاريخياً مفصلياً هزّ أركان قارات العالم السبع، وإن بشكل متفاوت، أقل ما يمكن قوله إنه هدّد بتقويض منازل القوة، وعمّم الحالة «الهوبزية» عبر مقادير الفوضى في عالم العلاقات الدولية، بل استثمر كبضاعة في البورصات السياسية، ما يعني أنه سوف تكون له آثار جيوسياسية مهمة.

ليس من المهم جداً البحث في ما إذا كان فيروس «كوفيد ـــ 19» COVID-19 طبيعياً أو مصنّعاً من قبل دول أو شركات ما أو أطراف معينة. كذلك، ليس من المهم التركيز على ما إذا كان مصنّعاً في مختبرات ووهان الصينية السرية، أم أنه يمثّل سلاحاً بيولوجياً من قبل الاستخبارات المركزية الأميركية لضرب الصين، كما يروّج البعض، وهل هذا الفيروس قد دخل بالفعل في سجل قاموس الحروب المستقبلية. وفيما لم تتوصّل الأبحاث الطبية إلى نتائج بهذا الخصوص بعد، فقد لا يكون ما تقدّم إلّا عبارة عن نظرية مؤامرة، غالباً ما تشكّل العصب الرئيس في سياق التفكير السياسي العربي. وعلى حدّ قول الروائي جورج أورويل: «في وقت الخداع العالمي يصبح قول الحقيقة عملاً ثورياً».
نعم، كلّ الاحتمالات واردة، ولم يخطئ المفكّر توماس هوبز عندما تحدث عن ذئبية الإنسان، ووصوله إلى مراحل غريبة من التوحّش، وهو ما ينعكس على سلوك الدول. وكما يقول منظّر الواقعية في العلاقات الدولية كينيث والتز، فإنّ تصرّفات الدول أو تصرّفات الرجال الذين يمثلون الدول، تشكّل جوهر العلاقات الدولية.
بغض النظر عن البحث في هذا الجدل العقيم، فإنّ الحروف التي أطّرها هذا الفيروس في مختلف دول العالم، قد زادت حدّتها بشكل فظيع ومؤسف، خصوصاً في ظلّ توظيف هذا المرض الخطير في أسهم البورصات السياسية، الأمر الذي يعدّ مصدر قلق كبير من زيادة منابع الكراهية. لكنّ التحوّل، حتى هذه اللحظة في عالم اليوم، مع انتشار هذا الفيروس وزيادة ضحاياه، هو أنه حوّل المرض إلى إيديولوجيا في عالم العلاقات الدولية، بينما يبقى من المهم رؤية عملية التوظيف السياسي في طريقة التعاطي، أو المعالجة العالمية لهذا التحدّي الكبير.
في هذا العصر القبيح، اختفت الإنسانية، بل ذابت في سياق السلوك الأممي، ولو قدّر للعالم الكبير إريك هوبزباوم ــــ الذي وصف العصر الذي عاش فيه بأنّه «عصر مثير» ـــ فربما تراجع اليوم، بسبب ما يحصل من انعدام الميزان الأخلاقي مع هذه الحروب المتعدّدة، والأنماط المتجدّدة التي تمثّل «تسونامي» القبح لمواجهة كلّ ما هو إنساني في هذا الكون، بل ربما يصبح الحديث عن الأخلاق في النظام العالمي، اليوم، مجرّد سذاجة وقلّة فهم لطبيعة العلاقات الدولية. ولكن، تبقى هذه الحقيقة التي يجب الاعتراف بها، عندما يختفي الضمير في غياهب المجون السياسي.

نحاول رسم مشهد للتأثير المستقبلي لهذا الفيروس على العالم، خصوصاً في سياق واردٍ في أدبيات العلاقات الدولية، ضمن جدلية «ما بعد/ ما قبل»


ويشير إلى هذا المفهوم، منظّر الواقعية الجديدة ستيفن والت متحدّثاً عن لجوء الناس والشعوب، في وقت الأزمات إلى الدول، وليس إلى المنظمات الدولية أو الأممية، وهذا بمثابة انتصار الواقعية. لا يعني ذلك أنّ الجهود العالمية الأوسع ليست ضرورية، بل يؤكد أنه على الرغم من العولمة، لا تزال الدول هي الأطراف السياسية المركزية في عالم اليوم.
نحاول هنا، رسم مشهد للتأثير المستقبلي لهذا الفيروس على العالم، خصوصاً في سياق واردٍ بشكل كبير في أدبيات العلاقات الدولية، ضمن جدلية «ما بعد/ ما قبل»، كما جاء في سياق عالم ما بعد الحرب الباردة وما قبله، أو عالم ما بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وما قبله، أو عالم ما بعد «داعش» وما قبله. وهذه أحداث سبّبت تغييرات جيوستراتيجية كبرى في العلاقات الدولية وسياسات الدول. وحيث أنّ هذه المتغيّرات الجديدة التي فرضت على النظام العالمي تملي قراءة لتلك الأنساق الجديدة، ولكن من المهم القول إنّ سقوط جدار برلين، أو برج التجارة العالمي في نيويورك، أو سيطرة «داعش» على سوريا والعراق، أحداث لا تشبه ما يحصل اليوم.
1 ــــ بدأ التوظيف السياسي للفيروس من قبل التيارات اليمينية في الغرب، وخصوصاً التيارات ذات الخطابات الشعبوية، حيث يرى السياسيون اليمينيون المتطرّفون في جميع أنحاء العالم أنّ «كورونا» جاء كعقاب على الحدود المفتوحة، وعملية استقبال اللاجئين والمهاجرين. وعكف هؤلاء على توجيه الاتهامات إلى الأجانب المقيمين أو الآسيويين القادمين. من هنا، سوف يساهم هذا الفيروس في صعود هذه التيارات، بشكل كبير، إضافة إلى أنه سيساهم في خلق بيئة مناسبة وحاضنة لولادة تيارات شعبوية ويمينية أكبر.
2 __ يعيش الخطاب الديني الآن في العالم، بمختلف أشكاله، العودة السريعة، خصوصاً أنّ المتعصّبين والمتدينين ينظرون إلى فيروس «كورونا» على أنه العقاب على الخطايا. وإن تفاوت ذلك بين مختلف التوجهات الدينية، إلّا أنّ الرغبة البشرية في ثنائية الخير والشر، يجري التعبير عنها بمختلف التوصيفات.
3 ـــ ينتشر سياق «الهوبزية»، بشكل رهيب، أيّ نتحدّث هنا عن الحالة التي تتميّز بغياب القانون، بينما لا يوجد مكان للعدالة والظلم. فقد كشف الفيروس مدى معدّلات الكراهية في العالم، ويكفي أن تعيش في أوروبا لكي تلمس ذلك، مع عودة ظهور ما يُعرف بـ«الإنذار الأصفر»، وهو توصيف يرجع إلى القرن التاسع عشر، ويدلّ على التمييز ضد وجود الوجوه الآسيوية في المجتمع. وإن كان البعض يبرّر ذلك برُهاب الموت والحرب من أجل البقاء، إلّا أنّه سلوك يتوازى مع ارتكاب التصرّفات العنصرية، التي أصبحت اليوم معروفة باسم «الكورونافوبيا».
4 ـــ كشف فيروس «كورونا» عن أنّ عالم الدول المتقدمة، لم يكن متقدّماً على الأقل في إطار المواجهة الطبية للوباء. فالدول ذات الاقتصاد النيوليبرالي والسوق الحرّة، بدأت تتهاوى بسرعة مخيفة. بالتالي، تختلف هنا الأسلحة الحقيقية للمواجهة، عن سياقات الدول التقليدية.
5 ـــ بناء على ما ذكرته في كتابي الجديد الذي صدر أخيراً، بعنوان «الجيل الثاني للدبلوماسية تدافع الهويات في السياسة الخارجية»، يمكن الإشارة إلى أنّ العالم يعيش عصر الانغلاق والانكفاء عن سياقات ومبادئ العولمة، مع إغلاق الحدود وتقييد حرية السفر، بينما كشف عن صعود تيارات الهوية بشكل بارز. ويمكن أن نأخذ مثالاً على ذلك، حالة أوروبا اليوم في ظلّ اعتماد بعض دولها سياسة صحية خاصة بها ومنفردة، لمحاربة فيروس «كورونا»، من دون اتخاذ سياسات مشتركة تحت مظلّة الاتحاد الأوروبي. وقد يرى البعض أنّ العولمة هشة بطبيعة الحال، بينما جاء الفيروس للقضاء على ما تبقى منها، وهي في طريقها إلى العناية المركزة.
وقد ساهم في كل ذلك، الحدّ من مقوّمات وعناصر العولمة، مثل التجارة والسفر والتكامل المالي العالمي والثورة الرقمية والتفوّق الواضح للديموقراطية الرأسمالية الليبرالية، في تراجع كان قد سبق ظهور الفيروس.
6 ـــ فضلاً عن تأثير فيروس «كورونا» الاقتصادي على حركة البضائع والسلع والسياحة العالمية، فقد أثّر أيضاً على أسواق السلع، مثل النفط. وقد يسبّب هذا الاضطراب الاقتصادي مخاوف من حدوث ركود عالمي جديد في قادم الأيام، كما ورد في بعض التقارير، في ظل الخسارات التي وصلت إلى 2.7 تريليون دولار. ويصف بعض أصحاب الاختصاص هذا الواقع، بأنه قد يمثّل نهاية لعقود من سياسات السوق الحرة الاقتصادية والعولمة غير المقيّدة، وانتشار اللامساواة.
7 ـــ عالم بلا قائد، أو حيث أصبح الكل قائداً. في عالم ما بعد الفيروس، سوف يتزايد هذا الاتجاه، كما عبّر كينيث والتز عمّا أسماه بـ«الحتمية المحلية»، وهي تشمل التخصّص، بينما تعني الحتمية الدولية «اعتنِ بنفسك».
أتذكر ما كتبه أمين معلوف، والذي التقيته في مدريد مؤخراً، في كتابه الجديد «غرق الحضارات»: «في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ البشرية، تبرز الحاجة إلى ربّان يتولى مصير السفينة بأكملها لا مصيره فحسب». وفعلاً عالم اليوم، يغيب فيه من يتولّى زمام المبادرة وقيادة العالم، والكل يوصد بابه.

* دبلوماسي عراقي وباحث أكاديمي