على غرار عدد من المؤسسات الثقافية المحليّة في لبنان والعالم، أطلق «متحف سرسق» معرض «أرشيف الخلود» افتراضياً، بعدما كانت قد استقبلته قاعة المعارض الكبرى في المتحف الصيف الماضي. المعرض الذي نسّقه الإيراني فالي محلوجي، يقدّم تاريخاً متحرّكاً لبعلبك، منذ ما قبل الحقبة الرومانيّة من دون تجاهل تاريخ مديني حديث تحاول السرديات السياحية عن المدينة إخفاءه دائماً. نقدم هنا عرضاً لأبرز محتويات المعرض التي تفوق 300 وثيقة مكتوبة وبصريّة وأثرية كانت قد جمعت للمرّة الأولى خلال فترة العرض، وها هي تعود للعرض مرّة أخرى افتراضيّاً في زمن الحجر المنزلي.


لوي فرنسوا كاساس ــــ «إعادة بناء معابد بعلبك الثلاثة» (ألوان مائية على ورق ــــ حوالى 1784 ـــ 1787 ــ من مجموعة فيليب جبر)

الطقس مثالي للعبور بالسيارة على طريق ضهر البيدر. سنترك عيوننا عند أطراف سهل البقاع المحيط بها من الجانبين لتستريح. نواصل سيرنا إلى المعابد الرومانيّة، وقد نتوقّف قليلاً في «فندق بالميرا» لتفقّد غرفه، بعد استئذان الحارس الوحيد الذي يدور فيه كلّ يوم بمفرده. عزلته سابقة على عزلة الجميع. لا نمنع أنفسنا من تخيّل أنه لا يزال يفيق كلّ يوم، ويضع القميص الأبيض تحت بنطلونه بالعناية نفسها التي كان يقوم بها في الماضي، حين لم يكن يفرغ الفندق من الزائرين. ولولا أن وجوه النزلاء لا تزال تظهر أحياناً، وإن فقدت بعض ملامحها مع مرور الوقت، لكان سيفقد سبب بقائه في الفندق. قد يكون هذا سيناريو واقعياً لإحدى الزيارات إلى مدينة بعلبك كما تصوّرها ذاكرة أحد أبنائها. غير أن الطريق الوحيدة التي نعرفها إلى المدينة، في الزيارة السنويّة إليها، أو الزيارتين، خلال مهرجاناتها الصيفيّة، لطالما اختزلت المدينة بصورة واحدة لا أكثر. لا نقول ذلك بسبب عجزنا اللاإرادي عن التنقّل حاليّاً، بل بالمقارنة مع سبل كثيرة يمدّنا بها معرض «أرشيف الخلود» للوصول إلى مدينة الإله بعل.
المعرض الذي رأيناه خلال الصيف الماضي في «متحف سرسق»، صار متاحاً مجدّداً الآن، على الفضاء الافتراضي، ضمن موقع أطلقه المتحف أخيراً بعد إغلاق أبوابه. ربّما ستكون الرحلة أكثر إمتاعاً مع الوقت الذي تراكم أمامنا دفعةً واحدة. هذا فقط ما نحتاج له للتفرّغ إلى التفرّج على محتويات المعرض التي تفوق 300 قطعة فنية وأثريّة ووثائق وأرشيفات بصريّة ومكتوبة عن بعلبك، جمعها للمرّة الأولى القيّم الفني الإيراني فالي محلوجي بالتعاون مع لجنة مهرجانات بعلبك، ومديرية الآثار، وفنانين محليين، لإعادة كتابة تاريخ المدينة بما يتجاوز حدود هياكلها وحقبتها الرومانيّة. في المعرض، ليس التاريخ تلك التلّة الثقيلة الجاثمة فوق المدينة. إنه منبسط على طول عشرة آلاف سنة من حياتها ومعابدها ومهرجاناتها وطبيعتها وناسها، الذين يحاول المعرض مدّ الأوصال بينهم وبين المعابد مقابل محاولات السلطات اللبنانية إزالتها تماماً عبر إفقار وتهميش بؤر معيّنة في المدينة على حساب المعابد وطابعها السياحي. وما دفعنا إلى التوقّف عند «فندق بالميرا» في البداية، هو أنه يكاد يكون المكان الوحيد الذي يستثنيه المعرض، رغم ارتباطه الوثيق بتاريخ المدينة وفترة ألقها في الستينيات والسبعينيات.

«من الصورة إلى الأثر الوطني ــ صعود بعلبك اللبنانية» (كريستوفر بعقليني)


قسم «الخيال الشعبي» (كريستوفر بعقليني)

في المعرض الافتراضي، هناك خريطة من الأعلى لاختيار الموقع الذي نريد الدخول منه إلى بعلبك من خلال تسعة أقسام تغطي زوايا أركيولوجية أنثروبولوجية وجغرافية وفنية وموسيقية وسياسية. ثمّة غرف عدّة تتطابق مع صالة المعارض الكبرى التي احتضنت المعرض. إذا اعتزمنا الدخول إلى الصالة الأولى وفق خريطة المعرض، سيقودنا ذلك إلى قسم «عشرة آلاف سنة ــ من زمن المستوطنات الأولى إلى الوقت الحاضر»، حيث تسلسل تاريخي تفصيلي لبعلبك منذ العصور الأولى قبل التاريخ العام (الميلادي). إذ يمرّ عبر النصوص والرسومات التفصيليّة على العصر البرونزي ثم الممالك الآرامية والرومانية والبيزنطية وفترات الحكم الإسلامي. وبالتعاون مع «المديريّة العامة للآثار»، تُعرض آثار ولقى من الفترات الرومانية والبيزنطيّة، يمكننا التقريب عليها لرؤيتها بوضوح ضمن جودة دقيقة يتيحها المعرض الافتراضي.
خطوات قليلة إلى الأمام ونرى حضور بعلبك في الوعي الوطني وارتباطها بالهوية اللبنانية منذ قرار سلطات الاستعمار الفرنسي بضمّها إلى لبنان الكبير في قسم «من الصورة إلى الأثر الوطني ــ صعود بعلبك اللبنانية» الذي يحوي طوابع بريدية ظهّرت بعلبك في الثلاثينيات والخمسينيات وبعض الوثائق الأخرى. من المحلّي، ننتقل إلى الطابع العالمي والأوروبي تحديداً في قسم «مشهد ذو تنظيم أوروبي». نتوقّف عند النظرة الأوروبيّة الاستشراقية التي أعادت رسم وتشكيل بعلبك ومعابدها ومساحاتها الطبيعيّة في اللوحات التي رسمها فنانون أوروبيون في القرنين الثامن والتاسع عشر، انطلاقاً من اعتقاد راسخ بأنهم أوصياء على المشهد الروماني برمّته. التدخل الأوروبي في المدينة تواصل في عمليات التنقيب والحفريات الأركيولوجيّة خلال القرن التاسع عشر، ضمن همّ «التنافس الإمبراطوري على الهيمنة على الشرق الأدنى» في قسم «علوم الآثار والتطلعات الإمبراطورية» الذي يجاور أيضاً قسم «الجديرة بالتصوير الفوتوغرافي». هنا وقفة عند أبرز اللقطات التي أخذت في بعلبك وظلّت مسكونة بهاجس تظهير الطابع القديم والأسطوري للمعابد. يقدّم لنا العرض الافتراضي للأعمال، بعض الخصائص التي تمكننا من التقرب من اللقطات وقراءة النصوص والمعلومات المرفقة بها.

من «عشرة آلاف سنة ــ من زمن المستوطنات الأولى إلى الوقت الحاضر» (كريستوفر بعقليني)

في التاريخ القريب، عمّرت بعلبك آلاف المرّات في الذاكرة الشعبية المحليّة التي يظهّرها قسم «الخيال الشعبي» بجمعه للمرّة الأولى ربّما، صورة المدينة كما تجلّت في السينما، والتلفزيون وملصقات الأفلام والملصقات السياحيّة لوزارة السياحة وشركات الطيران. يستهلّ هذا القسم المحطّة الأكثر رواجاً وشهرة عن بعلبك أي «مهرجانات بعلبك الدولية» بغرفته المعتمة، وأرشيفات نادرة من الحفلات، ووثائق صحافية، وملصقات لأهم الوجوه العالمية والعربية التي صنعت اسم المهرجان حين انطلق عام 1956 كترجمة للرسالة الحضارية للبنان كما جاء في خطاب الرئيس اللبناني كميل شمعون حينها. أهمّ ما في المعرض ربّما أنه لا يستثني التاريخ الحديث للمدينة، ولو كان ذلك لا يناسب الصورة السياحية السطحيّة التي تحاول الدولة التمسّك بها دائماً لتغطية تقصيرها تجاه سكّانها. إهمال شرّعه الاستعمار الفرنسي بإصداره مرسوماً أواخر الثلاثينيات لفصل المدينة عن الموقع الأثري، كما يشير المعرض.
عمّرت بعلبك آلاف المرّات في الذاكرة المحليّة التي يظهّرها قسم «الخيال الشعبي»

في قسم «المدينة الحديثة»، يمكننا أخيراً رؤية مدينة من لحم ودمّ بعيداً عن الأساطير ورومانسية اللوحات والمعجزات العمرانيّة التي رعتها الآلهة. المدينة الحديثة، على عكس كلّ ذلك، تراكمت من شروخ مدينية وبيئية واجتماعية وحتى دينية حاولت مصادرة طابع المدينة بدورها. هكذا يتفرّغ هذا القسم لتوثيق التغّيرات التي تلت الحرب، أهمّها التهميش الاقتصادي والتفلّت الأمني... وهناك ضمن القسم نفسه، وقفة مع أشهر فناني بعلبك التشكيليين، في زاوية مخصّصة لرفيق شرف ولوحاته لسهل البقاع ومعبد باخوس وغيرها، تنتهي أخيراً مع فيديوات مصوّرة لأهالي بعلبك يستعيدون فيها ذكريات عن المدينة وبعضاً من حكايات شفهيّة لا يعترف بها التاريخ الرسمي في العادة.

https://sursock.museum/virtualtour/202003/index.html