مع اقتراب عام 2019 من نهايته، بدا أن فوز دونالد ترامب بولاية ثانية شبه محسوم؛ محاكمة العزل لم تكن سوى فقاعة إعلامية ارتدّت سلباً على خصومه في الحزب الديمقراطي، ومعدّلات البطالة عند أدنى مستوياتها التاريخية (3.5%)، بينما تسجِّل البورصة مستويات قياسية ومؤشّراتها في أفضل حال. وفي ظلّ رضىً أميركي عن السياسات الاقتصادية لترامب، عبّر عنه 62% مِن المواطنين، بحسب استطلاع لمعهد «غالوب»، لم يكن هناك ما يستدعي القلق. في غضون أسابيع قليلة، تبدّل هذا الواقع جذريّاً. كانت التداعيات الاقتصادية تسابق انتشار وباء «كورونا»: دُمِّرت الأسواق المالية حول العالم، بدءاً من الصين، بلَد منشأ الفيروس كما يُعتقد، وصولاً إلى الولايات المتحدة. في 12 شباط/ فبراير، سجَّل «ستاندرد آند بورز» مستوىً قياسياً صعوداً، لكن المؤشِّر ما لبِث أن انخفض بحوالى 30% بعد نحو شهرٍ، متوِّجاً ما كان، في ذلك الوقت، أسوأ انخفاض في يوم واحد منذ «الاثنين الأسود» عام 1987. الأداء السيّئ انسحب على مؤشِّر «داو جونز»، ماحياً كل مكاسبه التي حقَّقها منذ وطأت قدما الرئيس الحالي البيت الأبيض.


اقتصاد الانتخابات
لا يمكن توقيت الأزمة الراهنة، أن يكون أسوأ بالنسبة إلى ترامب. وَجدت الأبحاث الأكاديمية أن الناخبين يقيِّمون الرؤساء استناداً إلى حالة الاقتصاد في السنة الانتخابية، وأن انطباعاتهم في شأن الأداء الاقتصادي تتعزّز في فصل الربيع. يقول آلان أبراموفيتش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إيموري الذي طوّر نموذجاً انتخابياً مِن بين النماذج الأكثر دقة، وفق «بلومبرغ»: «في نموذجي، ومعظم نماذج التنبّؤ الأخرى، يُعدُّ اقتصاد العام الانتخابي مسألةً بالغة الأهمية»، إذ «تتشكَّل في الربع الثاني منه، نظرة الناخبين إلى المرشحين». قوّة أزمة «كورونا» ونطاقها، والتي تفاقمت بفعل حالة الإنكار الأميركية وبطء الاستجابة، ترسم صورة قاتمة لآثارها الاقتصادية في المدى المنظور: توقّع «غولدمان ساكس»، أخيراً، أن ينخفض الناتج المحلّي الإجمالي لأميركا بنسبة 5% في الربع الثاني، بينما توقّع «جيه بي مورغان» أن تصل هذه النسبة إلى 14%. وفي حين برزت توقُّعات تشير أيضاً إلى احتمال حصول ارتدادات في وقت متأخّر من العام الجاري، يبدو أن الركود صار واقعاً، أو كما يضعها مصرفا «مورغان ستانلي» و«غولدمان ساكس»، فإن الركود العالمي قد بدأ بالفعل، وهو ما أكّده «بنك أوف أميركا» لمستثمريه قبل أيام، حين أبلغهم بأن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة الركود، وأنه سيترتّب على ذلك «فقدان للوظائف وتدمير للثروات وانهيار للثقة».

لا يمكن توقيت الأزمة الراهنة أن يكون أسوأ بالنسبة إلى ترامب


ورغم أن ترامب ربّما يكون «ضحية» توقيت سيّئ، فإن قراره التعامل مع الوباء كحالة طارئة للعلاقات العامة، حسب وصف «بلومبرغ»، وليس حالة طوارئ صحية، قد وسَّع نطاق الأزمة التي غَمرت رئاسته. محاولاته الأولى لطمأنة أسواق الأسهم المتأثرة بشدّة، عبر التقليل مِن وقع التهديد، أعاقت بدورها ردّ فعل الحكومة. وفي خطابه الأوّل الذي خصّصه للحديث عن الفيروس يوم 27 شباط/ فبراير، سعى الرئيس الأميركي إلى التخفيف مِن حدّة الهلع، بقوله إن كل شيء سيكون على ما يرام. التأخير في الاستجابة، معطوفاً على الفشل في إنتاج أجهزة اختبار سليمة، سمحا بتفشِّي الوباء، وبالتالي إلحاق مزيد مِن الأضرار بالاقتصاد الأميركي، وهو ركن ترامب المضمون نحو ولايةٍ ثانية! وبعدما تبيّن أن هجوم العلاقات العامة لن يبطئ الفيروس، تحدّث ترامب أخيراً بلغته المفهومة: «هذا سيئ!».

تبعات الاستجابة المتأخرة
يواجه الرئس الأميركي مهمَّة أكثر صعوبة نظراً إلى استجابته المتأخّرة؛ إذ استدعى الحدّ مِن انتشار الفيروس اتّخاذ تدابير مِن شأنها أن تفاقم الأزمة الاقتصادية في المدى القصير. وقد شملت إغلاق المدارس والجامعات والمطاعم والحانات وتقييد حركة السفر. وفي اقتصاد يعتمد بشكلٍ كبير على الإنفاق الاستهلاكي، فإن هذه الإجراءات لن تضرّ بالنمو الاقتصادي فحسب، بل ستؤدي أيضاً إلى خسائر كبيرة في الوظائف وانخفاض الأرباح. وفق شركة «آي اتش اس ماركت»، يمكن معدّل البطالة أن يتضاعف إلى حوالى 6% بحلول منتصف العام المقبل. ومن دون تدخّل حكومي، فإن هناك احتمالاً أن يرتفع المعدّل إلى 20%، بحسب وزير الخزانة، ستيفن منوتشين. وفي حال وصول نسب البطالة إلى هذه المستويات، فإنّ ذلك يعني ضعف النسبة التي عرفتها الولايات المتحدة في عام 2009 إثر الأزمة المالية، ويعني أيضاً أكثر بنحو ستة أضعاف من النسبة الحالية 3.5%. ويعمل أكثر من 18 مليون أميركي في الصناعات التي تعاني حالياً، على خلفية جهود مكافحة «كورونا»، بحسب الاقتصادي في «جيه بي مورغان تشيس»، مايكل فيرولي، وهي قطاعات تمثِّل، بحسب الأخير، ما يصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي لأميركا، أو حوالى تريليونَي دولار.
من هنا، يبدو أن الأضرار التي ستلحق بدخل الأفراد باتت أمراً واقعاً. يقول لاري بارتلز، وهو عالم سياسي في جامعة فاندربيلت يَدرس تأثير الاقتصاد على الانتخابات الرئاسية، إن التغيرات في المداخيل الفردية - أكثر مِن الناتج المحلي الإجمالي - هي التي تشكِّل انطباع الناخبين. وبقدر ما يُنتج الفيروس ركوداً اقتصادياً في الأشهر الستة المقبلة، يتوقّع بارتلز أن «يؤثر هذا الركود سلباً على فرص إعادة انتخاب ترامب».
مِن مفارقات مأزق ترامب الانتخابي، أن أسس الاقتصاد الأميركي بدت قويّة عشية الأزمة، وهو ما يجعل العديد من الاقتصاديين يتوقّعون انتعاشاً قوياً بمجرّد احتواء الوباء. لكن الدراسات تستبعد أن يكافئ الناخبون ترامب على خلفية ثلاث سنوات مِن النمو المطّرد والبطالة المنخفضة التي سبقت تفشِّي الفيروس. في كتابهما «الديمقراطية للواقعيين»، يلفت بارتلز والأستاذ في جامعة برنستون، كريستوفر آخن، إلى أن «الناخب قصير النظر». وتأسيساً لذلك، فإن «أداء الاقتصاد خلال ولاية الرئيس... يُحسم بالكامل مِن قبل الناخبين لدى توجُّههم إلى صناديق الاقتراع».
السؤال المطروح راهناً، هو مدى سوء التداعيات الاقتصادية وما الذي يمكن فعله للحدّ من آثار «كورونا». مجلس الاحتياطي الفدرالي من جهته، قام بجولتين من خفض أسعار الفائدة حتى اقتربت إلى الصفر، معلناً عن برنامج لشراء السندات بقيمة 700 مليار دولار، ما أدّى إلى إثارة مخاوف المستثمرين أكثر مِن طمأنتهم، إذ انخفضت الأسهم الأميركية بنسبة 12% في اليوم التالي للقرار. ومِن بين المقترحات التي قدّمها، دعا ترامب إلى تجميد الضريبة على الدخل، لكنّه قوبل برفض قاطع مِن الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بحجّة أن الاقتراح لا يساعد الأشخاص الذين يتمّ تسريحهم مِن أعمالهم، ولا أولئك الذين لا يعملون. طغت على هذه الفكرة مقترحات إرسال مدفوعات نقدية إلى الأميركيين لمساعدتهم في التأقلم مع الأزمة وتعزيز قدرتهم الشرائية. وعليه، تبنّى الرئيس الأميركي اقتراحاً طرحه للمرة الأولى السناتور ميت رومني لصرف ألف دولار لكلّ مواطن. وأعلن عن خطّة إنقاذ اقتصادية ضخمة تبلغ قيمتها ألف مليار دولار - تبدو متعثّرة في مجلس الشيوخ -، مقدِّماً نفسه على أنه رئيسٌ لـ«زمن الحرب» في مواجهة «عدوّ غير مرئي».