أوقات كثيرة عاشتها إيران تحت العقوبات الأميركية والدولية منذ انتصار الثورة عام 1979، لكن ولا مرة أظهرت الجمهورية الإسلامية الشكوى من تبعات هذه العقوبات كما حدث أخيراً مع مواجهتها فيروس كورونا. التصريحات الإيرانية ركزت على أن العقوبات الأميركية أثرت سلبياً في قدرات البلاد في مواجهة الفيروس الذي خلّف وفق آخر إحصائية لوزارة الصحة 14991 إصابة، وصلت حالات الوفاة منها إلى 853. الحاجة دفعت طهران إلى الإقدام على خطوة غير مسبوقة في تاريخ الثورة، بإعلان محافظ «البنك المركزي»، عبد الناصر همتي، طلب بلاده قرضاً بخمسة مليارات دولار من «صندوق النقد الدولي»، بعد أن عرض الأخير مساعدة الدول الفقيرة المتضررة من «كورونا»، راصداً لذلك 50 ملياراً عبر «أداة التمويل السريع» التي تقدم «المساعدات الطارئة إلى البلدان الأعضاء التي تواجه موازين مدفوعاتها احتياجات عاجلة»، وفق موقع الصندوق.

الخطوة فاجأت كثيرين مع استمرار طهران، برغم العقوبات الأميركية المتلاحقة، في تمويل حلفائها الإقليميين، إلى جانب مواصلتها البرامج التسليحية والدفاعية، وهو ما دفع إلى السؤال: هل فعلاً تحتاج إيران، التي تصرف أموالاً طائلة لبناء القوة الداخلية والخارجية، إلى خمسة مليارات للتغلب على الوباء؟ يقول الخبير الاقتصادي الإيراني صباح زنغنة لـ«الأخبار»: «إيران بسبب الحصار لا تتمكن من استغلال أموالها وثروتها لتغطية الاحتياجات العامة للمواطنين، خاصة في حوادث طارئة كمكافحة كورونا»، مضيفاً: «ما تخصّصه طهران على صعيد بناء القوة الداخلية والخارجية لا تمكن مقارنته مع برامج ومشاريع ومشتريات دول المنطقة، فهو لا يبلغ سوى 1 ـــ 10% مما تصرفه تلك الدول».

دعا كتّاب إيرانيون إلى تلقّف العرض الأميركي بالمساعدات الطبية


يتفق المتابع للاقتصاد الإيراني تامر بدوي مع زنغنة في أن «العقوبات المتوالية على إيران تركت معاناة كبيرة في القطاع الصحي» وغيره، لافتاً إلى أن «معدل التضخم السنوي يتجاوز عادة نمو الإنفاق على موازنة الصحة»، كما أن «العقوبات تشكل عائقاً أمام استيراد سلع ومعدات طبية كانت إيران على مدار السنوات الماضية تستورد أكثرها من دول الاتحاد الأوروبي». ويرجّح بدوي أن يكون ما تطلبه إيران من «النقد» يتجاوز جهود مكافحة «كوفيد ــ 19» إلى دعم البنية التحتية الصحية عامة وتخفيف الأعباء عن صناديق المعاشات والتأمين. ومع أن تشديد العقوبات منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مطلع أيار/مايو 2018 ألقى بظلال سلبية على مجالات الاقتصاد الإيراني كافة، يرى زنغنة أنه لا يوجد عائق أمام سداد البلاد للقرض في حال تسلمه، لأنه «لا يشكل إلا مبلغاً متواضعاً لسد الحاجة». لكن بدوي يرى العكس، كما لا يستبعد استخدام طهران «ملف القرض كورقة محفزة لأميركا والدول الأوروبية على رفع العقوبات».
وكان المتحدث باسم «النقد الدولي»، جيري ريس، قد سارع إلى تأكيد تسلّم الصندوق الطلب الإيراني، لكنه ربط سرعة التعاطي مع طلبات الدول بمدى تماشي تلك الطلبات مع سياسات الصندوق. وبما أن نظام الدفع في هذا الصندوق يتطلب الانضمام إلى «لوائح العمل المالي» (FATF)، وفق ما ورد في مقالة في صحيفة «جيهان صنعت» الاقتصادية للأستاذ الجامعي الإيراني صلاح الدين هرسني، يجب ألّا تتوقع طهران الحصول على المليارات الخمسة، الأمر الذي توقعه أيضاً الخبير الاقتصادي الإيراني كميل طيبي في مقالة في صحيفة «ستاره صبح» الإصلاحية. يقول طيبي: «ردّ الصندوق على الطلب الإيراني سيكون سلبياً بتأثير الضغوط الأميركية»، في حين يبدو هرسني متشدداً أكثر بطلبه من الحكومة «تقديم طلب إلى الصين بالحصول على هذا المبلغ بسبب دورها في إصابة البلاد، لكونها المنشأ... آمل أن تأخذ قيادة بلاده الأبعاد الإنسانية بالاعتبار عندما تقيّم مقترحات المساعدة الأميركية لحل أزمة كورونا، لأن قبول إيران هذا المقترح سيفتح باباً للدبلوماسية والحوار الهادف إلى حل القضايا العالقة بين إيران وأميركا». أما طيبي، فيرى أن «الاختلافات بين واشنطن وطهران أعمق من أن تحلّ جميع القضايا، مع أن قبول المبادرة الأميركية بتقديم مساعدات طبية قد يخفف التوتر، وقد تؤدي النتائج إلى توسع النقاش ليطاول قضايا أخرى (إلى جانب الصحة)».