حتى تاريخه، لم يكن أمام التيار الوطني الحرّ سوى الردّ بأنّه استحصل على كلّ الرخص اللازمة لبناء مقرّه العام على تلّة موقع نهر الكلب الأثري، في العقار 98/زوق الخراب العائد لملك دير مار يوسف البرج التابع للرهبنة البلدية المارونية، ملمّحاً إلى أنّ الاعتراضات تأتي في سياق الحملة عليه في توقيت مشبوه، وخصوصاً أن الحجر الأساس للمقر وُضع في 7 آب الماضي.

أبرز المعترضين، المهندسة المعماريّة والدكتورة في علم الآثار ياسمين معكرون، تشرح «أن الأعمال لامست وفق ما تظهره الجولات الميدانيّة والصور الجويّة موقع نهر الكلب الأثري وباتت على مسافة أمتار من اللوحات الأثريّة». وأشارت الى أن المقصود من موقع البناء أن يكون مرئياً من كل الجهات ما يجعله معلماً، وهو ما يترك تأثيراً على البعدَين البصري والطبيعي للموقع». معكرون، وهي عضو اللجنة التنفيذيّة لـ«إيكوموس ــــ لبنان» (المجلس العالمي للمعالم والمواقع)، أوضحت بناءً على مشاركتها في أعمال الترميم التي جرت عام 2003 أن «التصوينة الحالية لموقع نهر الكلب الذي يضمّ 22 لوحة أثريّة ونصباً تذكارياً أقدمها يعود إلى ألفَي عام كان يجب أن تكون أكبر لولا اعتراض الوقف حينها». ونبّهت الى أن «الأخطر هو في تأثير البناء على الموقع وإمكان حرمانه من تصنيفه كتراث عالميّ، بعدما رُفع عام 2019 إلى اللائحة المؤقّتة للتراث العالمي للأونيسكو»، كما أنه مصنّف على لائحة الذاكرة العالميّة للمنظّمة.
موقع نهر الكلب الأثري، بسبب الإهمال المتراكم، تعرّض لاعتداءات سابقة وبني في محيطه عدد من المشاريع المخالفة، كما يعدّ نفق نهر الكلب من المخالفات التي أثّرت في المكان، ولم تستكمل إلى حينه مراسيم تحييد الطريق وتخصيص موقف لسيارات الزائرين. عمليّة الترميم التي حصلت عام 2003 بالشراكة بين المؤسسة الوطنيّة للتراث والمديرية العامة الآثار، انتهت بتسليم الموقع للمديريّة التي تغاضت عن صيانة اللوحات والتصوينة بشكل دوريّ، ولم تستملك العقار كما يفترض بها من الوقف.
الموقع محميّ أيضاً بقرار وزارة البيئة الرقم 97/1، الذي صنّفه موقعاً طبيعياً ومنع البناء لمسافة 500 متر من منتصف مجرى النهر وباتجاه الضفتين عرضاً (المادة 2)، بينما يرى المهندسون المعترضون أن «المشروع أقرب من هذه المسافة ويقع ضمن منطقة الحماية»، ويسألون «كيف تمّت موافقة وزارة البيئة في عهد الوزير السابق التابع للتيار طارق الخطيب؟».
منسق لجنة المنشآت في التيار الوطني الحرّ المهندس فادي حنا، ردّ في اتصال مع «الأخبار» بالقول «إن الأونيسكو منظّمة استشاريّة، وبغض النظر عن رأيها لا نقبل أن يخسر الموقع تصنيفه، ولو كان كذلك لخسره سابقاً إذ إن المنطقة مليئة بالأبنية، والموقع محاط بأكثر من مكان احتفال ومطعم، بينما مقرّنا يملك التراخيص كافة ويعزّز المساحات الخضراء». واستهجن الحديث عن أعمال جارية، بالقول «إن الآليات التي يجري تصويرها، تقوم بأعمال تدعيم الطريق الفاصل بين الموقع وحرم المقرّ فقط لا غير، وقد انتهينا من أعمال الحفر كليّاً منذ 7 آب الماضي، ولم يُستخدم التفجير في المكان بتاتاً، وبما أن الحفريات انتهت ولم يظهر أي تأثير لها فهذا يعني أن الحديث عنها لم يعد مجدياً». وعن قرار البيئة، يردّ حنا بالقول «إنه قرار وزاري وليس مرسوماً، مما يعرّضه للطعن والسقوط بعد مرور الزمن. قراءة القرار تتمّ بشكل خاطئ، إذ إنه لا يمنع البناء في الموقع، صحيح أن المادة 2 منه تحدّد حرم الموقع، لكن المادة 3 تسمح لوزارة البيئة بالتنسيق مع مديرية التنظيم المدني أن تحدّد شروط الترخيص لأي منشآت أو مشاريع ضمن إطار تدابير الحماية التي تراها ضرورية». وعن خرق المقرّ لمسافة الـ500 متر، يقول «إنه يقع تقريباً على حدود هذه المسافة ولا بدّ من التذكير أن القرار لا يمنع البناء والمكان ملك خاص وليس مستملكاً من المديريّة».
التيار الوطني الحر أعلن في بيان سابق أنّه نال الترخيص من الجهات المعنيّة؛ ومنها المجلس الأعلى للتنظيم المدني ووزارتا الثقافة والبيئة ونقابة المهندسين. وفي حين تتقاذف جميع هذه الجهات مسؤوليّة منح الترخيص، علمت «الأخبار» أن المديرية العامة للآثار منحت موافقتها على المشروع، بعدما طلبت خفض الطبقات من 3 إلى 2 وإرجاع المشروع 13 متراً إلى الجنوب. وأوضح المدير العام للآثار سركيس خوري أن «نيل الموافقة والترخيص تمّ من جانب المجلس الأعلى للتنظيم المدني، وقد حاولنا إيقاف الترخيص حتى إزاحة المشروع إلى الجنوب نحو 20 متراً». من جانبه، يرى حنا أن «المديريّة قامت بواجباتها وزارت المكان مرّات عدّة، وعدّلت في نقاط وأتت بمسّاحين، وطلبت تخفيض الأساسات والابتعاد بضع أمتار، وهو ما حصل. إضافة إلى أن الفاصل بين تصوينة الموقع وتصوينة المقرّ (ليس البناء) هو 13 متراً ستكون مساحة خضراء للتشجير وتحجب المقرّ عن الموقع ولن يرى الزائر إلاّ الشجر الأخضر».
نقيب المهندسين المعمار جاد تابت، من جهته، رأى «أن الترخيص لا يصدر عن نقابة المهندسين، بل فقط تسجّله لديها بعد موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدني». وأوضح تابت، وهو عضو في المجلس، أنه «عندما عُرض المشروع على المجلس، تمّ تحويله إلى مديرية الآثار التي تمكّنت من إرجاعه نحو 20 متراً لجهة الجنوب، ولأن الموقع من صلاحيّتها وطالما منحت موافقتها يصبح موقف المجلس ضعيفاً، وخصوصاً أن صلاحياته تتضمن الأحراج والطابع المعماري وسواها». باختصار، «لا نعرف سبب موافقة المديرية. ويستطيع الوزير الحالي (كلّف وزير الزراعة والثقافة عباس مرتضى لجنة للكشف على المكان) رفض المشروع ووقفه». تابت أقرّ بأنه «لا يفترض البناء على رأس التلّة»، وأن «للمشروع تأثيراً على البيئة والمنظر العام»، واضعاً اللوم على أن «الموقع بلا حماية، وكان يفترض بمديرية الآثار منذ سنوات طويلة المفاوضة وإصدار مرسوم حماية». يردّ حنا بالتأكيد أن «تابت وقّع على ترخيص المجلس الأعلى من دون تحفّظ»، لافتاً إلى «أن النقيب انتدب أحد المهندسين لتمثيله في زيارة المكان برفقة رئيس المجلس الأعلى للتنظيم المدني (الياس الطويل)، قبل أن يوافق المجلس مجتمعاً (تابت عضو فيه) على الترخيص».

نقيب المهندسين: لا يفترض البناء على التلّة وللمشروع تأثير على البيئة والمنظر العام


«لا يجب حصر المقاربة بالموضوع الأثري، إذ لم يؤخذ في الحسبان البعد الثالث أي العمودي نحو جوف الأرض للبناء مع الناحية الهيدروجيولوجية والزلزالية المباشرة»، وفق اختصاصي الجودة الناشط رجا نجيم. وأوضح أنه «يجب التنبّه لتأثير التفجيرات أثناء الأشغال والتي تشكل موجات زلزالية على كامل الصخرة التي تشكل وحدة متجانسة من كل جوانبها، وخاصة أنه يتم المسّ بواقع كارستي ذي تشقّقات عميقة عمره ملايين السنين سبق أن بُتر أحد أطرافه وتمّ خرق عمقه، ما اضعف مقاومته الطبيعية الأصلية».
الاعتراضات على المشروع توالت الأسبوع الماضي؛ وآخرها تحرّك في موقع الأعمال أول من أمس لمجموعة من المعترضين، في ظلّ حضور كثيف للقوى الأمنية. وانضمّت حملة «أنقذوا مرج بسري» إلى المعترضين. عضو الحملة المهندس رولان نصّور قال إنّ «المتعهّد داني خوري الذي يقوم بأعمال مرج بسري، هو نفسه من يقوم بأعمال الجرف في موقع نهر الكلب. والصخور التي تستخرج من أعمال الجرف والحفر تُستخدم في أعمال مرفأ جونية التي يقوم بها خوري نفسه»، والسؤال يُطرح «حيال علاقة خوري بالتيار وتسلّمه أكثر من مشروع للدولة؟».
من جهته، لا يرى منسّق لجنة المنشآت في التيار مانعاً في أن يكون المتعهّد خوري «قد فاز بمناقصة أعمال الحفر حصراً، خاصة أنها مناقصة بمظاريف مغلقة، ولا علاقة لنا إلى أي مكان يرسل مخلّفات حفريّاته، أما بشأن العمار فهو ليس المتعهّد إلى حينه ولم نجرِ هذه المناقصة بعد لأننا لا نملك الأموال المطلوبة لإنهاء الأعمال»، وأكد أن «التمويل للمقرّ هو من تبرّعات العونيين فقط التي انطلقت في 2016، فيما لم نسمع اعتراضاً من كلّ الجمعيّات التي تهاجمنا اليوم حيال مقرّات أخرى لسفارات أو أحزاب أكلت الجبال الخضراء». وحيال حديث الناشطة رلى تلج عن «تبرّع آل النجار للقيام بالحفريات مقابل الحصول على ترخيص لكسارة عائدة لهم ومغسل بحص»، يردّ حنا باعتبار كلامها «غير صحيح جملة وتفصيلاً»، لافتاً إلى أنه «ما في آل نجّار بكلّ الورشة!».