بهدوء، ومن دون أي حملة اتلاف لحقول «النبتة المبروكة» ولا عمليات دهم لأماكن تخزينها، أينعت الحقول المزروعة بالقنب الهندي في مناطق بعلبك - الهرمل الموسم الماضي، وقُطفت وأُنهيت عمليات تجفيفها وتصنيعها، وكان موسم «النخب الأول» وفيراً. رغم ذلك، لم تطابق حسابات المزارعين والمصنعين والتجار حسابات الحقول، وهي لم تأخذ في الحسبان الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بالبلد منذ اكثر من شهرين. الأزمة التي أدّت الى تدني سعر «هقّة» الحشيشة الى ادنى مستوياتها. ناهيك عن تراجع سعر ضمان دونم الحشيشة «الخضير» الى مستوى لم يبلغه حتى في عزّ عمليات الاتلاف التي كانت تنفذها الاجهزة الامنية.

«الاسعار ميتة»، يقول احد مزارعي الحشيشة، مشيراً الى أن «دونم الخضير» بيع في تشرين الاول المنصرم بـ 150 دولاراً، فيما بيع الدونم المروي بما يراوح بين 500 و1000 دولار، ودونم البعل (غير المروي) بما بين 400 و700 دولار. وبحساب زراعي بسيط، فإن كل دونم يعطي بين قنطار وثلاثة قناطير، بحسب ريّه والاهتمام به، ويبلغ سعر القنطار 100 الف ليرة.
عمليات البيع «شبه معدومة»، بحسب احد المصنعين، موضحاً أن تراجع الاسعار «لم يكن الضربة القاسية الوحيدة التي تلقاها المزارعون والتجار. فالازمة الاقتصادية وشح السيولة المالية بسبب السياسة التي تنتهجها المصارف، متسائلاً: «ماذا نستفيد إذا بعنا ولم نحصل على ثمن البضاعة؟». شح السيولة المالية، بحسب أحد التجار، قلص عمليات البيع الذي يتم حاليا بطريقة «المقايضة». ورغم أن هذا يجري بأسعار لا ترضي التجار، «لكنها افضل من تكديس البضاعة فترات طويلة». فأحد المزارعين، مثلاً، حصّل سيارتين بدل ضمان 52 دونماً من الحشيشة (150 دولارا للدونم)، «لعدم توفر السيولة». يؤكد لـ«الأخبار» ان هذه «المصلحة» لم تعد تطعم خبزاً، علماً انها تبقى رغم كل ذلك أفضل من البطاطا والبصل الذي تبلغ كلفة زراعة الدونم الواحد منه مليون ليرة. فيما تكلف زراعة دونم الحشيشة 120 الف ليرة تشمل البذار وضمان الارض والتعشيب والري، على أن يكون القص والدق والتصنيع على عاتق التجار او المصنعين.

سعر «هقة الحشيشة» سجل انخفاضاً بنسبة 100% عن موسم العام الماضي


بعض المزارعين لجأوا الى تأخير بيع حقولهم أملاً بالحصول على اسعار افضل، لكن من دون جدوى. ويربط أحد مصنعي الحشيشة تدني سعر ضمان «الخضير» بتراجع سعر «هقة الحشيشة» الذي سجل انخفاضاً بنسبة 100% عن موسم العام الماضي، موضحا ان «الاسعار بالارض، وهي في تراجع متواصل منذ اشهر». إذ يتراوح سعر «هقة الزهرة» (النخب الاول) بين 100 و150 دولاراً (يعطي القنطار بين هقة و3 هقات)، أما «الكبشة» (الثاني) فسعرها لا يتجاوز 50 دولاراً». ويعزو الرجل ذلك الى عوامل عدة، منها الحديث عن تشريع زراعة النبتة وما نتج عنه من ارتفاع نسبة زارعيها، «وكأن الامر يتعلق بأن من يزرع حاليا سيحصل على رخصة لزراعتها»، اضافة الى اقفال المعابر غير الشرعية وتشديد الاجراءات على المعابر الشرعية ودهم بعض اكبر معامل التصنيع.
يجمع غالبية مزارعي الحشيشة على أن «ما جبرنا على المرّ إلا الأمر منه». صحيح أن درب زراعة الحشيشة «شاق وقاس» وأنهم سلكوه قسراً نتيجة غياب الدولة على مستوى الزراعة والانماء. فالزراعة لا زالت على حالها منذ عقود غارقة في مستنقعات الوعود بالخطط والدعم وسياسات الزراعات البديلة، والسمفونية نفسها تتكرر كل موسم. في جعبة مزارعي بلاد بعلبك الهرمل «دفتر حسابات» بأكلاف كل زراعة. ولا مجال هنا للمقارنة بين غلة موسم الحشيشة - حتى وهي في ادنى مستويات اسعارها - وبين ما آلت اليه زراعاتهم التقليدية من قمح وبصل وشمندر سكري وشعير وبطاطا منذ عقود، وما شهدته من وعود بالمعالجة وسياسات زراعات بديلة لم تتحقق.