ليست المرة الأولى التي يُدعى فيها خبراء تربويون وممثلون عن قطاعات تعليمية إلى ورشة لتطوير مناهج عام 1997. فالمركز التربوي للبحوث والإنماء، بوصفه المؤسسة المعنية بالمناهج، شهد منذ عام 2016 ورش عمل مكثفة في هذا المجال، وهو ما جعل تعليق رئيس اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، بطرس عازار، في الاحتفال الرسمي لإطلاق الورشة الجديدة أمس، منطقياً وفي محله حين سأل:«لماذا نحن في حفل عنوانه إطلاق ورشة، وهل أصبحت الورش السابقة في خبر كان؟». وأكد «أننا مدعوون، بعد 17 تشرين، لنسأل أنفسنا: لماذا لم تؤد مناهجنا التعليمية إلى السلم الأهلي والأخوّة الإنسانية واقتلاع الفساد وتعزيز المواطنة؟». وطالب بتحييد مؤسسات التعليم عن أي تأثير سياسي واقتصادي يفرض عليها توجهاً عقائدياً أو سلوكياً يناقض البحث الموضوعي والعقلاني! وهو، كعادته، لم يفوّت المناسبة ليشكو معاناة المؤسسات التعليمية الخاصة، مناشداً الدولة انقاذ العام الدراسي على صعيد الرواتب والأقساط وتسديد مستحقات المدارس شبه المجانية، وكأن مسؤولية الدولة أن تموّل المدارس الخاصة ورواتب المعلمين والأقساط بلا أي رقابة على موازناتها ومناهجها!

«فرملة» تطوير المناهج العامة لمدة 23 عاماً، ومن ثم إطلاقه فجأة وفي هذا التوقيت الاقتصادي الحرج، وبأموال خارجية (جزء من قرض وهبتين بقيمة 204 ملايين دولار بموجب اتفاقية بين الحكومة اللبنانية والبنك الدولي)، فتح الباب على تأويلات كثيرة في شأن ما إذا كان الممولون سيفرضون أهدافهم ومواقفهم وسيؤثرون في الأولويات الوطنية والتربوية على خلفية «من يدفع يأمر»، كما يقول المثل الفرنسي. الاعتراض الأبرز أتى من التيار النقابي المستقل الذي سأل، في بيان، عشية الحفل: «كيف ستنتج تربية وطنية بقروض أجنبية مشروطة؟ ومن سيحدد الأولويات التربوية في استعمال القروض المشروطة؟». وذكّر وزارة التربية والمركز التربوي بأن لبنان يشهد انتفاضة وطنية جامعة ضد الفساد والمحسوبيات والمفسدين، مطالباً بإيقاف مهزلة إطلاق تطوير المناهج «التي وضعت على عجل حرصاً على القروض والهبات وخوفاً من سحبها من الجهات المانحة».
الرد على هذه الهواجس أتى من وزير التربية أكرم شهيب الذي خرج، أمس، عن النص المكتوب، مطمئناً بأنّ « الجهات المانحة الممولة لتطوير المناهج لم تفرض شروطاً علينا، ونحن لا نقبل شروطاً من أحد. والعداء لإسرائيل هو الموضوع شبه الوحيد الذي يجمع اللبنانيين، والمناهج لن تكون إلا ترجمة لهذا الإجماع».

أكرم شهيب: لا شروط علينا من الجهات الممولة للمناهج


لكن هذا الكلام ينتظر ترجمة عملية في «الورشة الجديدة»، خصوصاً أن السوابق غير مشجعة. ففي جلسة لمناقشة الأهداف العامة للمناهج في عام 2016، عارض أعضاء في «لجنة مادة اللغة العربية»، يمثلون اتحاداً طائفياً لمدارس خاصة، تضمين الأهداف عبارة «العداء للكيان الصهيوني الغاصب». بذريعة «عدم اقحام السياسة بالتربية»، وكأن التربية ممارسة حيادية غير خاضعة لتصور سياسي اجتماعي، وبـ«أننا لا نريد أن نربي أولادنا على العداء»، حتى لو كان العدو محتلاً أرضنا. وثمة من رأى أنّ الإصرار على تأكيد هذا العداء خطياً ضمن الأهداف العامة «مبالغاً فيه ويقع في خانة التشكيك في أنّ أحداً من اللبنانيين لا يعتبر إسرائيل عدواً». لو كانت القصة مبتوتة، كما أوحى الوزير، ولا تحتاج إلى تأكيد لما حصل يومها السجال، ولمرّت العبارة من دون اعتراض.
لكن هل أخذ القرار السياسي بتطوير المناهج فعلاً وهل يتلازم ذلك مع النهوض بالمدرسة الرسمية أم أن المركز يهرب إلى الأمام لتسجيل إنجازات وهمية؟
رئيسة المركز التربوي، ندى عويجان، بدت مقتنعة بأنها ستكون «ثورة حقيقة في سمفونيّة الانتماء، وترسيخ المواطنيّة وتعزيز الرأسمال البشري، وإدخال لبنان عصر اقتصاد المعرفة، وبناء متعلم - مواطن فاعل وسعيد، متوازن ومنفتح على العالم، ومعتز بوطنه وملتزم الدفاع عنه، ومبادر وباحث وناقد». وأعلنت انضمام كل من الرئيس السابق للمركز التربوي منير أبو عسلي والخبير التربوي ميلاد السبعلي إلى فريق المركز لتنسيق العمل. لكن دون هذا «الطموح» عقبات فعلية في المدرسة الرسمية بالحد الأدنى، إذ كيف يمكن تحقيق ذلك في ظرف اقتصادي سيضاعف أزمة الاستيعاب لديها العام المقبل نتيجة عجز الأهالي عن سداد أقساط المدارس الخاصة، وفي مدرسة يسقط عليها المدير بـ «الباراشوت السياسي»، وتفرّغ من طاقاتها بنقل المعلمين إلى أماكن يرتاحون فيها سواء الى الارشاد والتوجيه أو دور المعلمين في الأقضية أو إلى مدارس قريبة من منازلهم وفي أي وقت من العام الدراسي، بعد تدخل نافذين وبغياب أي اعتبار تربوي!



روزنامة تطوير المناهج
وضع المركز التربوي للبحوث والإنماء روزنامة لانتاج ما سماه «المناهج التفاعلية»، إذ حدد منتصف العام 2021 موعداً لانتاج المناهج الجديدة المتعددة الأبعاد والكفايات الأساسية والمتشابكة والموزعة على كل المراحل التعليمية. وتأتي بعدها مرحلة تأليف الكتب الورقية والرقمية وأدلة المعلمين وتوصيف المشاريع البحثية لتخضع للتطبيق التجريبي في بعض الصفوف التعليمية، اعتباراً من العام الدراسي 2022 - 2023 على أن تستكمل في كل المراحل في العام 2023 - 2024. ويترافق ذلك، بحسب الفيديو التعريفي بالمشروع الجديد الذي أعده المركز، مع تدريب للمعلمين والمديرين وتطوير معايير التقويم بما في ذلك الامتحانات الرسمية وتعزيز برمجيات الأبحاث والتحليل في المركز وتفعيل البنية التحتية التكنولوجية والبيئة المدرسية.