بصمتٍ رحلت فاطمة، إبنة الثلاثين عاماً من بلدة عرسال، إثر إصابتها بالسرطان. إنكشف «سرّها» الذي كتمته لعلمها بعدم قدرة أهلها على تكبّد مصاريف العلاج، بعد أن أصيبت بكسر في قدمها نقلت إثره إلى أحد المستشفيات. حال فاطمة من حال كثيرين من أبناء عرسال التي تُركت، بعد تحريرها وجرودها من المسلحين التكفيريين، تواجه قدرها كما كان الأمر دائماً. الوعود الضخمة والمشاريع الرنانة التي أغدقتها الحكومة ورئاستها وهيئتها العليا للإغاثة والجمعيات الدولية المانحة كلها تبخّرت. البلدة التي احتضنت - ولا تزال - أكثر من ضعفي عدد ابنائها من النازحين السوريين تغرق اليوم في مشاكل اجتماعية ومعيشية وتربوية وصحية وبيئية، من أزمة عدم توافر مقاعد دراسية كافية لأبناء البلدة من الطلاب الى تفشي آفة المخدرات بين الشباب وفي المدارس، وليس انتهاء بغياب مراكز الرعاية الصحية.

في عرسال أربع متوسطات رسمية وثمان خاصة وثانوية رسمية واحدة ومعهد فني بلغت كلها طاقتها الاستيعابية القصوى، خصوصاً الرسمي منها، مع إحجام الاهالي عن تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة لتراجع قدراتهم المادية، أو بسبب تخلف بعضهم عن تسديد الاقساط المدرسية عن الاعوام السابقة.
«عرسال منكوبة»، يقول رئيس بلديتها باسل الحجيري، بعدما تُركت لمصيرها المجهول على مدى العامين الماضيين وسط مخاطر بيئية وصحية واجتماعية، تقابلها وعود أغدقها المسؤولون والجهات الداعمة والمانحة، المحلية والدولية، لم ينفذ منها شيء حتى اليوم. يوضح الحجيري لـ«الأخبار» أن «الحكومة خصّصت للبلدة ما قيمته 15 مليون دولار من المشاريع لم ينفذ منها الا بناء مدرسة رسمية لا تزال قيد الانشاء». ويلفت الى «أننا في اجتماعنا الاخير مع رئيس الحكومة سعد الحريري طلبنا تحويل الاموال المخصصة لتصليحات الكهرباء والمياه في البلدة الى مشروع تأهيل طرقات البلدة، بعدما أنجزت البلدية مع KVA (شركة تقديم خدمات التوزيع للكهرباء) أعمال تأهيل لشبكة الكهرباء، فضلاً عن معالجة مشكلة المياه... وقد وعدنا بذلك، مع وعد اضافي بانشاء معمل تكرير للصرف الصحي من دون الشبكة بعدما تملّصت الجهات المانحة الدولية من وعودها في هذا الشأن». إلا أن الحجيري لا يبدو متفائلاً كثيراً، خصوصاً أن الأزمة الاقتصادية الحالية «قد تحول دون الشروع في أي المشاريع التي وُعدنا بها»، رغم الكارثة البيئية التي تخيّم على عرسال. إذ يُرمى نحو مليون ليتر من الصرف الصحي يوميا في خراج البلدة فضلاً عن أطنان من النفايات في محلة عقبة نوح على بعد 5 كيلومترات من عرسال حيث تحرق لعدم تكديسها.

رصدت الحكومة للبلدة 15 مليون دولار من المشاريع لم ينفذ منها الا مدرسة رسمية لا تزال قيد الانشاء


الأخطر من ذلك كله ما خلفه مسلحو الجماعات التكفيرية التي احتلت عرسال طوال اكثر من خمس سنوات، من معامل انتاج الحبوب المخدرة، وتفشي ظاهرة التعاطي بين الاطفال وطلاب المدارس، ما بات يتطلب، بحسب نائبة رئيس البلدية ريما كرنبي، «تدخّل وزارتي الداخلية والبلديات والشؤون الاجتماعية لقمع هذه الظاهرة، وتأمين مراكز لعلاج الادمان للفتية الذين يوقفون على الحواجز، وتوقيف المتورطين في ترويج تلك المواد». كرنبي تؤكّد، من جهة أخرى، أن ارقام المفوضية العليا لشؤون النازحين حول أعداد النازحين السوريين الذين لا يزالون في عرسال (37 الفاً) غير صحيحة، وتجزم ان «في البلدة اليوم 67 ألف نازح، في وقت تقلصت فيه تقديمات الجهات المانحة. فحتى المستوصفات باتت تبغي الربح من خلال بيع الأدوية واستيفاء بدلات معاينة طبية من المرضى، فيما لم يوضع حجر الأساس لمستشفى عرسال الحكومي الذي كان مقرراً منذ ثلاثة أشهر، بحسب الوعود الحكومية، مع أن المستشفى، وفق كرنبي، «يخدم المنطقة بأكملها».



«المستقبل» مصرّ على طريق عرسال - الفاكهة
من ضمن الـ 15 مليون دولار التي رصدتها الحكومة لعرسال، نحو مليون ونصف مليون دولار خُصصت لشق طريق يربط البلدة ببلدة القاكهة ورأس بعلبك والقاع وصولاً الى الشمال وتأهيله وتعبيده. الطريق طرحه تيار «المستقبل» إبان احتلال الجماعات الارهابية للبلدة كبديل من طريق عرسال - عين الشعب - اللبوة الذي قُطع أكثر من مرة إبان أزمة خطف عسكريين ومدنيين من أبناء القرى المجاورة على أيدي الجماعات المسلحة وقتل بعضهم. ورغم تحرير عرسال وتحسن علاقتها بقرى الجوار، لا يزال تيار «المستقبل» مصراً على شق الطريق رغم استهجان عدد كبير من ابناء البلدة، كون كلفته غير مبرّرة مع انتفاء الحاجة اليه، وضرورة تحويل المبلغ المرصود له لمشاريع أكثر أهمية تحتاجها البلدة. الناشط محمد عز الدين لفت الى أن «ما من حاجة الى هذا الطريق، وطرحنا سابقا ان يستبدل بطريق بآخر من عرسال الى بلدة نحلة فمدينة بعلبك، لانه يسهّل للمزارعين وأصحاب مناشر الحجر الوصول الى اسواق بعلبك والى بقية المناطق، إلا أن طرحنا رفض بشكل قاطع».