مؤخراً، علا صوت بعض المخاتير في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت احتجاجاً على طفرة افتتاح «فروع» لمكاتب مخاتير بعض القرى في أحياء الضاحية، وتحديداً تلك المكتظة. لا يجد هؤلاء تفسيراً للظاهرة سوى أن «المخترة مربحة في المدينة أكثر من الضيعة»، على ما يقول أحدهم. لكن، ثمة سبب آخر يتداوله المعترضون لتكبّد عناء «النزلة» إلى المدينة، وهو أن الآتين إلى هنا «يسترزقون اليوم من موجة النزوح السوري». قد يكون ذلك أحد الأسباب، لكنه يبقى واهياً. فالحسابات، في الواقع، لا تحصر «الربح» الذي يأتي من باب النزوح السوري بالآتين من القرى إلى المدن، إذ أن «الكل مستفيد»، وهذا ما يقوله أحد المخاتير الذي افتتح مكتباً مؤخراً في منطقة برج البراجنة، آتياً من البقاع. ناهيك عن أن لكثيرين من مخاتير الأطراف «حسابات انتخابية» أيضاً تدفعهم الى «اللحاق» بناخبيهم حيث يقيمون لتقديم خدمات «المخترة» لهم وتجنيبهم عناء الذهاب الى قراهم للحصول عليها.

بغضّ النظر عن «الحرب» الدائرة بين المخاتير المعترضين وأصحاب «الفروع» المستحدثة في ما يخصّ الصراع على باب الرزق، إلا أن المشكلة تكمن في مكان آخر. في القانون الناظم لهذه «المهنة»، وهو قانون «المخاتير والمجالس الإختيارية». هنا، يمكن الحديث عن شقين، أولهما ما ينصّ عليه القانون ويبرّر شكوى المعترضين، وثانيهما «عوز» هذا القانون للكثير من التعديلات التي يمكن أن تشرعن «النقلة»، وإن بشروط.
بحسب ما ينص عليه القانون، ثمة «أحقية» للمعترضين على ظاهرة «النقلة» من القرى إلى المدينة، انطلاقاً من أن المختار هو ممثّل «المحلّة» التي ينتخبه أبناؤها. بتفصيلٍ أكثر، تنصّ المادة 20 من قانون «المخاتير والمجالس الإختيارية» على أنه «لا يجوز للمختار التغيّب عن قريته أو حيّه مدّة تزيد عن عشرة أيام، من دون إجازة من المحافظ أو القائمقام (…) وينوب عنه مدّة غيابه أحد أعضاء الإختيارية الذي يُنتدب عنه في قرار الإجازة».

«نقلة» المختار إلى أي مكان آخر خارج محلّته الأساسية مخالفة صريحة للقانون


استناداً لتلك المادة، يصبح قرار «النقلة» إلى بيروت أو أي مكان آخر خارج المحلّة الأساسية مخالفة صريحة للقانون، وتعدياً على صلاحيات مخاتير آخرين. لكنها، ليست مسألة مخالفة. فثمة مسؤولية تقع على عاتق من هم «فوق» سلطة المخاتير، وهي مسؤولية متشعبة تبدأ بأقلام النفوس ومركز القائمقامية، ولا تنتهي في أروقة وزارة الداخلية والبلديات. وقد جرت محاولة لـ«التسوية» عام 2012 في عهد الوزير مروان شربل، إذ أصدر بعد تلقيه الكثير من الشكاوى تعميماً ألزم بموجبه «المخاتير باحترام القانون وعدم التعدي على صلاحية مختار آخر». واستناداً لذلك التعميم، كفّ شربل «أيدي عدد من المخاتير»، كما عمل على منع «تجمعات المخاتير في بعض السرايا، حيث باتت ظاهرة يسترزق منها المخاتير بالتواطؤ مع معقّبي المعاملات».
لكن، رغم الهالة التي يحيطها شربل بالتعميم، انطلاقاً من أنه يعيد «الإعتبار للقانون» إلا أن ما يفوته أن القانون نفسه مأزوم، وتعوزه تعديلات كثيرة، حتى يصبح «مطابقاً» لما آل إليه الواقع. فهذا القانون الذي صيغ عام 1947، لا يزال يُعمل به على أساس ما كان قبل 70 عاماً، باستثناء بعض المواد المعدّلة في العام 1997، والتي لا تمسّ الجوهر في الغالب.
22 عاماً على آخر تعديلاته. ليس هذا كافياً، فبيروت على «إيّام» صياغة هذا القانون، لم تكن قد كبرت بعد. أما اليوم، فثمة تقديرات وإحصاءات تشير إلى أن 60% يقطنون اليوم في العاصمة ومعظمهم من القرى، ما يجعل مطلب التعديل ملحّاً. ففي ما يخصّ هذه الظاهرة، ثمة كثر اليوم ولدوا في بيروت وآخرون لجأوا إليها منذ زمن ولم تعد يربطهم بـ«المحلة» سوى أنها مكان ولادة… والقانون الذي يفرض عليهم أن يحصّلوا أوراقهم الرسمية من هناك. ما هو مطلوب اليوم «هو تشريع هذه الظاهرة من دون أن تكون على حساب المخاتير المنتخبين، أي تحديد صلاحيات هؤلاء في ما يخصّ أبناء قراهم من دون التعدي على صلاحيات المخاتير الآخرين»... أو - وهذا حلم يبدو بعيد المنال - أن يسمح للمواطنين بانتخاب المخاتير في محل إقامتهم لا محل ولادتهم. حلم بعيد المنال الى حد الاستحالة، لأن ذلك يُفترض، في البلدان «الطبيعية»، أن ينسحب على انتخابات البلديات والنواب أيضاً. إلا أننا في بلاد غير طبيعية تفرض على مواطن فيها أن يقصد ضيعته التي قد تبعد 160 كيلومتراً عن محل إقامته للحصول على ورقة تسمى «إخراج قيد»!