«المساحة 105» هو عنوان المعرض التفاعلي للكشف عن مصير المفقودين في لبنان، الذي افتتحه اللجنة الدولية للصليب الأحمر في «بيت بيروت» (السوديكو) أمس، لمناسبة اليوم العالمي للمفقودين، ويستمرّ حتى السادس من أيلول المقبل. يعود الرقم 105 إلى قانون المفقودين والمخفيين قسراً (105/ 2018) الذي أقرّ في 30 تشرين الثاني 2018، ولا يزال تطبيقه رهن إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً (المادة 9)، «التي رفعت وزارة العدل اقتراح أسماء أعضائها العشرة إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء»، وفق القاضي جان قزي الذي مثل وزير العدل ألبير سرحان في جلسة الحوار التي عقدت قبل افتتاح المعرض. الجلسة أدارها رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر كريستوف مارتان، بعنوان «الأشخاص المفقودون في لبنان، القانون 105 والتحدّيات الراهنة».

رئيس برنامج الصحة النفسيّة في وزارة الصحة العامة الدكتور ربيع شمّاعي تحدث عن تجربته الشخصيّة مع ملف المفقودين، وقال: «إن الفقدان صعب، إلاّ أن الأصعب هو عدم معرفة إذا فقدنا أحداً أو لم نفقده»، رابطاً ملف المفقودين بـ«الصحة النفسيّة بشكل عام للبنانيين، وبتاريخ المجتمع وذاكرته». وطالب بـ«إعلان ذكرى أو يوم وطني للمفقودين، من أجل الاعتراف بفقدان ناس خلال الحرب، وبهدف تعافي المجتمع».
بدوره روى ممثل لحنة الأهالي أنيس مقدّم، قصّة فقدان عائلته لعمّه عام 1975 (قبل ولادته بنحو عشر سنوات) معترفاً أنه «وُلدت في عائلة حزينة من دون أن أعرف السبب، عائلة تنكر الفقدان وتقول لنا ولأبناء عمّي إن عمّي مسافر، فيما علّقت له صورة كبيرة على الحائط». أنيس تطرّق إلى معاناة الأهالي في حال عدم توفية من فقدوهم لناحية الإرث، وكيف تصبح «وثيقة الوفاة التي أصدرتها مرغماً عن محكمة دينية بعد 5 سنوات من المعاناة والمعاملات، سبيلاً للعودة إلى الطوائف التي سبّبت الحرب». اضطرار الأهل إلى توفية أبنائهم المفقودين، تناوله المدير التنفيذي للمفكرة القانونية المحامي نزار صاغية في مداخلته، لافتاً إلى أن «قانون 1995 (434، الأصول الواجب اتباعها لاثبات وفاة المفقودين) هدف إلى دفع الأهالي إلى توفية العدد الأكبر من مفقوديهم لتفريغ الملف وصولاً إلى إقفاله... غير أن قانون الـ2018 لا يحرم الأهالي - حتى لو أقدموا على التوفية مرغمين - من حق المطالبة بالكشف عن مصير ذويهم».
جلسة الحوار التي غصّت بالمشاركين من أهالي المفقودين ورسميين وممثلين عن الرؤساء الثلاثة، تلاها افتتاح المعرض «المساحة 105» في الطبقة الثالثة من «بيت بيروت». وهو معرض «مختلف عن المعارض السنويّة السابقة إذ إنه تفاعلي ويأتي بعد إقرار القانون العام الماضي» وفق رونا الحلبي المتحدثة الرسمية باسم اللجنة الدولية.
المعرض ينطلق مع زواره من قصّة شخصيّة خياليّة تدعى «ابرهيم» (الممثل طوني نصير) فقدت أهلها خلال الحرب. بانتقالهم بين الغرف المختلفة، سيساعد الزوار «ابراهيم» على الكشف عن مصير أهله. الغرفة الأولى خصّصت لجمع «البيانات ما قبل الاختفاء»، إذ يقوم الزائر بتعبئة استمارة حول هويّة المفقودين ومواصفاتهم وملابسهم ومكان وتاريخ اختفائهم بعد تفاعله مع المعلومات المعروضة، وهي تصغير لاستمارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. الغرفة الثانية مخصصة لتعريف الزوار على «آلية جمع العيّنات البيولوجية المرجعيّة» التي تقوم بها اللجنة تجهيزاً لتسليمها للهيئة الوطنية، عبر تتبّع شجرة عائلة «ابراهيم». الغرفة الثالثة تضمّ قصاصات جرائد وتقارير أجهزة أمنية عن أهل «ابراهيم»، ليتمكّن الزائر من استنتاج الحادث الذي فقدا خلاله. تقليص الاحتمالات من غرفة إلى أخرى، هو في الوقت نفسه محاكاة ليس لعمل الصليب الأحمر وحسب، بل لحالة الانتظار والترقّب التي يعيشها أهالي المفقودين. الحالة تتجسّد في الغرفة الرابعة الأكثر قساوة، ويحكي فيها «ابراهيم»، في فيديو مسجّل، قصّته إلى جانب قصّتين حقيقيتين يرويهما ولدا مفقودين على شاشتين موازيتين. بالقرب من الشاشات، ثلاث كراسٍ تجسّد المفقودين حسيّاً وليس من خلال الأرقام، رسم عليها أولادهم ما يتذكّرونه عنهم... أحدها رسمت عليه ابنة المفقود سيارة الخضار التي عمل عليها قبل اختفائه، بعدما كان طاهياً قبل الحرب وتركت على الكرسي بذّة الطبخ البيضاء الخاصة به. الغرفة الخامسة فاصلة، تبثّ الشاشات فيها ما ورد خلال نشرات الأخبار المحليّة ليلة إقرار القانون 105، وتشكّل المرحلة الانتقالية بين عمل قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ 2012، والعمل المستقبلي المولجة به الهيئة الوطنية المنتظر تشكيلها. الغرف الباقية يجمع الزوار المعلومات النهائية ويطابقونها للكشف عن مصير العائلة. بينما يظهر «ابرهيم» أخيراً، ليقول: «صار فيني إعلن الحداد، صرت قادر خبّر قصّة عيلتي لولادي، قصّة مزبوطة! متل ما كلّ القصص لازم تكون: إلها بداية ونهاية».