خيارات التخصص الجامعي التي بقيت أمام ليليان ليست كثيرة. لكنها خيارات تحرم طالبة علوم الحياة، تلقائياً، من أن تكون لها مهنة مستقبلية في الطبّ. «أردت أن أصبح طبيبة أمراض جلدية»، تقول. لكن، ما لم يكن في حسبانها أن هذا الاختصاص، في كلية العلوم الطبية في الجامعة اللبنانية، يُدرّس حسب المنهج الفرنكوفوني. ويفرض البروتوكول الجامعي دمج الطلبة الفرنكوفونيين والأنغلوفونيين خلال مراحل متقدمة من سنوات التخصّص (بدءاً من العامين الرابع والخامس)، بحيث تصبح الفرنسية اللغة المعتمدة في تدريس كل المواد. عزفت الطالبة عن التسجيل في كلية العلوم لعلمها أنها ستُجبر، في نهاية المطاف، على «الاستسلام أمام صعوبة إتقان اللغة خلال سنوات قليلة لفهم المواد»، خلافاً لزملائها الذين يجيدون الفرنسية ما يجعل حظوظهم في «التّقليع» أعلى. «لم يبقَ أمامي سوى خيارين: إما العودة إلى كنف كلية العلوم والتخصص في العلوم الطبيعية، أو البقاء في المنزل»، محيلةً في ذلك إلى كثيرين ممّن تداعت طموحاتهم فقط لأن ثقافتهم الأنغلوفونية لا تتناسب ومتطلبات تخصّصات عديدة في بعض كليات الجامعة الوطنية، من بينها الصحة وطبّ الأسنان والصيدلة. وهي الكليات التي لم تتلقّ «الأخبار» منها أي جواب حول أسباب عدم فتح أقسام تدرّس المواد بالإنكليزية. فيما كان عميد كلية العلوم الطبية، الدكتور بيار يارد، واضحاً: «ما فينا نفتح قسم بس للطلاب يلي بيحكوا إنكليزي لإنو ما بتمشي». وقبل أن يسرد الأسباب، يشدّد على أن الفصل لا يتم في السنوات الأولى. فبعد أن يجتاز الطلاب عامهم الدراسي الأول في كلية العلوم، «يخضع هؤلاء لامتحان دخول باللغتين الإنكليزية والفرنسية، كلّ حسب لغته الثانية»، وهو إجراء معتمد «فقط منذ عام 2010»، كما يقول. وعلى أساس النتائج، «يجري ترفيع من حصّل معدّل 12/20 وما فوق إلى السنة الثانية». وفي السنتين الرابعة والخامسة، «يتم دمج جميع الطلاب» ويصبح المنهج فرنسياً.
يلغي التمييز مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن تعتمده كافة الكليات


هنا تبدأ الصعوبات التي تحدثت عنها ليليان وزميلاتها، والتي سيواجهها حصراً من لا يجيدون الفرنسية. لكن التمييز الذي يطال هؤلاء، يرى العميد يارد أن لا أساس له، على اعتبار أن المنهج في كلية العلوم الطبية «يلزم جميع الطلاب بـ 100 ساعة تعليم لكل من اللغتين الإنكليزية والفرنسية، لكي يكون مستوى الطالب اللبناني عالياً». «عليهم أن يجيدوا اللغتين»، يقول، مشدداً، رغم أن اللغة المعتمدة عالمياً هي الإنكليزية، وأن نظام اللغة الطبية الموحدة (UMLS)، الذي طورته المكتبة الوطنية الأميركية للطب (NLM)، يعتمد بنيانه على الإنكليزية. هذا لا يعني أن أهمية الإنكليزية تفوق الفرنسية من حيث المستوى، لكن حصر لغة التدريس بالفرنكوفونية في الكليات الطبية يبدو مستغرباً في ضوء هذه المعطيات، خصوصاً أنه يلغي تماماً مبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن تعتمده كافة الكليات في الجامعة. «ثمة واقع يفرض علينا في كلية العلوم الطبية اتباع هذا النظام الفرنكوفوني»، يجيب يارد، لافتاً إلى أن «السياسة الأوروبية التي تعتمدها فرنسا تقوم على استجلاب الطلاب المتفوقين في الطب»، بحيث أن «60 إلى 70 في المئة من طلابنا في الجامعة اللبنانية يذهبون إلى جامعات فرنسا للتمرين ومتابعة تخصصاتهم، وحتى ممارسة المهنة لاكتساب الخبرات». لكن لماذا لا توقّع «اللبنانية» اتفاقيات تعاون مع الجامعات الأميركية؟ «الجامعات الأميركية لا تأخذ طلابنا» يقول العميد، مشيراً إلى أن «سياساتها تعطي الأفضلية للأميركيين» وأن «النظام التعليمي في أميركا يعذّب الطلاب الأجانب ويجبرهم بعامين إضافيين من الأبحاث، خلافاً لما هو متاح لهم في الجامعات الفرنسية».
خلافاً لوجهة نظر يارد، يؤكد رئيس الجامعة، فؤاد أيوب، أن كليات العلوم الطبية في «اللبنانية» تتجه - تباعاً - إلى افتتاح أقسام بالإنكليزية في مختلف فروعها «تماماً كما حدث في كلية الصحة، حيث باتت هناك اختصاصات تدرّس بالإنكليزية». لا ينكر أيوب المشاكل التي يواجهها طلاب التعليم الأنغلوفوني في كلية الطب، والتي تأتي بشكلٍ أساسي نتيجة «النقص الدائم في التمويل».