تبدو المنطقة الواقعة على «الحدود الفاصلة» بين محافظتي بعلبك - الهرمل وعكار وكأنها واحد من مشاهد أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن نهاية العالم. منطقة جرداء قاحلة هجرها مزارعوها ويغطّي الغبار كل شيء فيها: البيوت والأشجار والطرقات. هدير الآليات التي تنهش ما تبقى من جبال هو وحده ما يشير الى أن هناك «حياة» هنا.

16 كسّارة «ابتلعت» جبالاً وطمرت أودية بالبحص، خصوصا في منطقة بيت جعفر، وأطاحت بغابات أرز السويسة ووادي الفارغ والحريق والعريشة المعروفة بأشجار اللزاب النادر، ناهيك عن كسارات عملاقة في منطقة كرم شباط (موقعي معبور الأبيض والحريق) تشكل تهديداً مباشراً لمحمية كرم شباط المحاذية.
بعد المؤتمر الصحافي للنائب علي فياض، قبل أسبوعين، الذي تحدث فيه عن اقتراح قانون لتنظيم قطاع المقالع والكسارات يعتمد تجميع كل المواقع في السلسلة الشرقية لتزويد المناطق بحاجاتها، دبّ الرعب بين أصحاب المقالع والكسارات في تلك المنطقة. قرار وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن منع نحو 700 شاحنة يوميا من عبور طريق عام الهرمل - القبيات ومنها الى الدريب والطريق الدولية، لم يحل دون عودة «الأعمال» بوتيرة أكبر من السابق، بعدما «استشرس» أصحاب المقالع والكسارات في مراكمة المخالفات ومحاولة كسب الوقت، قبل أن تدق الساعة الصفر باتخاذ مجلس الوزراء قراراً بتطبيق المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات. الجديد أن هذه الشاحنات تحمل معها الى المنطقة، ليلاً، نفايات الى مواقع الكسارات بعد اندلاع أزمة نفايات في الشمال منذ ثلاثة اشهر، إضافة الى كميات ضخمة من الدواليب المطاطية المستعملة حيث يجري إحراقها لاستخراج ما فيها من معادن.
«على مدار سنوات إستنزفت الكسارات مقومات المنطقة، وأدت الى اقتلاع الثروة الحرجية، وغور الينابيع بسبب استخدام المتفجرات، وإنتشار الأوبئة جراء تلوث الهواء والماء»، بحسب المحامي مدحت جعفر. يلفت الأخير الى أن «بعض المنازل يبعد عن الكسارات أقل من 600 متر. ولكن، ويا للأسف، تحول العشائرية دون التوحد خلف محاربة هذه الظاهرة»، مؤكدا أن رمي النفايات في المنطقة «جريمة أخرى تضاف الى سلسلة الانتهاكات».

تعود الشاحنات الى الكسارات بنفايات ودواليب مستعملة


وتؤكد مصادر مطلعة أن ملكية الكسارات لا تعود الى أهالي المنطقة وانما لأصحاب رؤوس أموال من مناطق وطوائف عدة. ويلفت رئيس «مجلس البيئة» أنطوان ضاهر الى أن «أكثر ما يثير الريبة هو أن كل الكسارات تقع في أملاك الجمهورية اللبنانية، وجميعها تعمل من دون ترخيص، ولا يمكن لأي منها الحصول على مهل ادارية»، مؤكدا «أن أهالي بيت جعفر هم أكثر المتضررين من الكسارات وقوافل الشاحنات التي تملأ تلك المنطقة غباراً وأمراضاَ، ما أدى الى تهجير السكان». وشدّد الضاهر على «أن لا تدخل الحكومة اللبنانية هذه المرة في متاهات المهل والستوكات، إذ أنه من البديهي أن الستوك المستخرج من كسارة لا شرعية يكون لا شرعياً، وبالتالي لا يجب السماح بنقل البحص والرمل المسروق من مالية الجمهورية»، مؤكدا أن هذا الأمر يوازي جرائم نقل المخدرات وتعاطيها وترويجها.
مصادر مطلعة أكّدت لـ«الأخبار» أنه «بعد قرار الداخلية منع عبور الشاحنات على طريق عام القبيات - بيت جعفر، لجأ هؤلاء الى طريق بيت جعفر - القموعة، والى الطرق الفرعية عبر بيت جعفر - مرشحيم - الضنية». وأكّدت أن غالبية هؤلاء «يحظون بدعم وتغطية سياسية كما تربط بعضهم علاقات مع تجار من أبناء جرد القيطع».