لا أحد من المارة يعلم متى جرى تثبيت لافتة السرعة المحدّدة بـ80 كلم (في الساعة) على أوتوستراد طريق المطار. لكن السائقين تنبّهوا أخيراً إلى وجود اللافتة الصغيرة بعدما تفادى بعضهم «مجازر» مرورية كادت تقع وهم يحاولون تخفيف سرعاتهم فجأة هرباً من فخ رادار المراقبة المستحدث وسط الأوتوستراد.

«81»، «85»، «89»... يرصد الرادار تباعاً أرقام «المخالفين»، لتُسطّر على إثره مخالفات سرعة تقدّر يومياً بالمئات، حسب بيانات قوى الأمن الداخلي. لكن الأرقام التي يلتقطها الرادار يستغرب المواطنون اعتبارها سرعة مخالِفة «لأننا نسير على طريق سريع»، يقول سائق شاحنة راجع بنود قانون السير «الذي يلزم السائقين عدم تجاوز سرعة الـ100 كلم/س على الأوتوسترادات». ورأى في الإجراء مجرّد «نصبة جديدة تدرّ على الدولة أموالاً طائلة».
لا يتّفق خبير نُظم النقل، تمّام نقّاش، مع السائق في تصنيفه للطريق بـ«السريع»، من دون أن يلغي تماماً فرضية «فخ الدولة». ففي «الوضع الحالي، ليس هناك شيء اسمه أوتوستراد في لبنان»، يشدّد نقّاش. وهذه نقطة مهمة تشكّل مدخلاً للنقاش حول واقع التخطيط الحضري في مجال النقل، الذي تمخضت عنه «محاولات» أوتوسترادات على كامل الأراضي اللبنانية.
حسب وجهة نظر الخبير، لبنان لم يحترم قانون «نظام وتنظيم الأوتسترادات» الصادر في الستينيات، ولم يطبّقه يوماً. وهو قانون يحدّد مواصفات وخصائص ما يعرف عالمياً بـ«limited access highway»، أي الطريق العريض المقسوم إلى اتجاهين، ويحتمل أكثر من مسار واحد في كل اتجاه، بحيث أن الخروج منه والدخول إليه ينحصر بمفارق محدّدة وقليلة. والحال أن هذا التصنيف لا ينطبق حالياً على تصميمات الطرق السريعة، خصوصاً في العاصمة، حيث التصميم المدني «المتأرجِح» والسرعات القصوى المتفاوتة ضمن الطريق الواحدة، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن المعايير المتّبعة اليوم في تحديد السرعة القصوى، وما إذا كانت الوزارات والهيئات المعنية تتعامل مع طريق المطار، مثلاً، على أنه «أوتوستراد»، خلافاً لتصنيف القانون غير المعمول بأصوله في الأساس. علماً أن المادة (26) من قانون السير الجديد تشترط «عدم تجاوز سرعة 100 كلم/س على الأتوسترادات، 70 كلم/س خارج المناطق المأهولة و50 كلم/س داخل المناطق المأهولة».

لافتات بمعايير «غير واضحة»
هذه التساؤلات وغيرها يختصرها الخبير في السلامة المروريّة، وأحد مؤسسي الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المروريّة (LIRSA)، كامل ابراهيم، بسؤال أساسي: هل تتناسب السرعات القصوى التي يضعها متعهّدون مع الواقع؟ «لا أعتقد ذلك!». بطبيعة الحال، ثمة معايير هندسية على كل طريق، تُعتمد بتوجهات علمية من المفترض أن يضعها خبراء في وزارة الأشغال العامة والبلديات. لكنها «توجهات لا تُعتمد في لبنان ونادراً ما يتم تطبيقها لأسباب عدة وشائكة، أبرزها هروب بعض الجهات، وتحديداً وزارة الأشغال، من تحمل نفقات استجلاب استشاري أو خبير».

معايير تحديد السرعة القصوى موجودة لكنها غير واضحة في ظل تضارب الصلاحيات

وعدم اعتماد تلك التوجهات يؤسس، حسب ابراهيم، لمشكلة «الاستنسابية» في تحديد السرعة القصوى. وثمة عوائق أخرى تعترض تطبيق التوجهات العملية خلال تحديد السرعة القصوى، مثل: «الطرقات غير السليمة، عدم تطبيق السائقين لقانون السير وتقاعس اللجان والمجالس التي أنشئت بموجب القانون عن تأدية عملها، فضلاً عن غياب الدراسات المتعلقة بالسلامة المرورية عموماً». ويقول ابراهيم إن المعايير موجودة، لكنها «غير واضحة» وآلية تطبيقها شائكة، في ظل التضارب الحاصل بين صلاحيات كلا من وزارتي الأشغال والداخلية، بلدية بيروت والبلديات عموماً، إلى جانب الفوضى العمرانية التي تواكب التمدّد المُدني.

من يحدّد السرعات القصوى؟
في حديث لـ«الأخبار»، يقول المهندس في مجلس الإنماء والإعمار، إيلي الحلو، إن السرعات في المشاريع التي يتولاها المجلس، تُحدَّد حسب ما يعرف هندسياً بـ«السرعة التصميمية» (أعلى سرعة مستمرة يمكن أن تسير بها السيارة بأمان على طريق رئيسي استناداً لبنية الطريق) و«السرعة التشغيلية». في الوقت الذي تبقى فيه معايير الأولى افتراضية، فإن «السرعة التشغيلية تخضع لمعايير يضعها خبراء بعد التجربة الواقعية لمعدلات السرعة المناسبة». أما السرعات في الطرق «المصنّفة» فتضعها وزارة الأشغال، فيما «غير المصنّفة والمدينية» تخضع لمسؤولية البلديات عموماً. في حين أن كل الطرقات التي تقع في النطاق البلدي لبيروت- «بما فيها السريعة» ـ تخضع لسلطة بلدية بيروت حصراً، في تصنيفٍ لم يوافق عليه مصدر في وزارة الأشغال، أكد لـ«الأخبار» أن تحديد السرعة في العاصمة يخضع لسلطة هيئة إدارة السير التابعة لوزارة الداخلية والبلديات. إلا أن مدير عام الهيئة هدى سلوم، نفت صحة ذلك، في حين قال مكتبها إن عمل الهيئة لا يشمل تحديد معايير السرعة. مصادر أخرى أحالت الملف إلى مدير الطرق في الوزارة، حاتم العيسمي. لكن الأخير أكد عدم اختصاصه في المسألة، وأحالنا بدوره إلى المدير العام للطرق والمباني في الوزارة، طانيوس بولس، الذي لم نلق منه أي جواب!



اللجنة الوطنية للسلامة المرورية: اجتمعت... لم تجتمع؟
تحديد السرعة في الطرقات عموماً «ليس من صلاحية غرفة التحكم المروري»، على ما يؤكد مهندس السلامة المرورية في الغرفة، جورج حنّا. لكنه يتحدث عن قصور في عمل «اللجنة الوطنية للسلامة المرورية» (تشمل مهامها تطوير قانون السير واقتراح المراسيم التنظيمية المتعلقة بالسلامة المرورية) نتيجة «غياب التنسيق». منذ تفعيلها في عام 2015، أي بعد مرور 3 سنوات على صدور قانون السير الجديد، يقول حنّا إن اللجنة لم تجتمع سوى «مرة أو مرتين» بدفعٍ من وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن.