ليس بالأمر العادي وَضعُ دفاتر شروط تصميم وتمويل وإنشاء وتشغيل (معمل تفكك حراري) محرقة للنفايات على جدول أعمال مجلس بلدية العاصمة اليوم. إنه خيار استراتيجي كان يفترض أن يكون منسجماً مع استراتيجية الدولة في كيفية معالجة قضية سبّبت أزمة كبيرة منذ ثلاثة أعوام لم تنتهِ فصولها الكارثية بعد. فكيف تقرّ بلدية خياراً استراتيجياً وخطيراً كهذا قبل أن يقرّ مجلس الوزراء استراتيجية الإدارة المتكاملة للنفايات على أنواعها؟!

ليس في الموضوع مفاجأة بالطبع. ملف المحرقة مطروح منذ سنوات، وأخذ الكثير من الجدل. وقيل وكتب الكثير عن المخاطر وعن واقع الأزمة التي نعيشها على كل المستويات، ولا سيما الضعف الاستراتيجي في وزارة البيئة، وطغيان المنطق الاستثماري والمالي (عند معظم الإدارة السياسية في الدولة)… على حساب المنطق الفلسفي العقلاني والعلمي الذي يأخذ بالاعتبار أولاً استدامة الموارد وحفظ الصحة العامة. إلا أن الاستحقاق يصبح داهماً عندما يأتي اليوم الذي يفترض اتخاذ القرار فيه، مع إمكانية الحديث عن تسرّع، ولو بعد طول تداول.
والسؤال الذي يطرح اليوم: هل صحيح أن باستطاعة المجلس البلدي للعاصمة أن يتخذ قراراً حساساً وخطيراً بهذا الحجم، ملزِماً لفترة لا تقلّ عن ربع قرن؟! وكيف سيُتَّخَذ قرار كهذا بصرف النظر عمّا يمكن أن ينتج من «خريطة طريق» وزارة البيئة وعن «مسودة استراتيجية» لم يناقشها أحد بعد ولا تبناها مجلس الوزراء؟ صحيح أن ثمة أحزاباً وقوى سياسية ممثَّلة ومؤثِّرة في المجلس البلدي لا تنفصل عن القوى نفسها النيابية والحكومية المقررة، إلا أن ذلك لا يعني أن الأمور ستنتهي عند هذا الحد، في قضايا استراتيجية ومصيرية كإنشاء محرقة بكلفة عالية جداً مادية وصحية واجتماعية... ما كان يفترض أن يُترك القرار لمجلس بلدي مهما كان حجمه ومهما بلغت ميزانيته. وبما أن رئيس بلدية بيروت يعرف هذه الحقيقة أيضاً، فإنه ترك عملية اختيار مكان المحرقة وتحديده لمجلس الوزراء، كما ورد في جدول أعمال الجلسة. فمهما كانت نوعية دفتر الشروط لتلزيم إنشاء أي منشأة، ومهما كانت درجة أهميتها أو خطورتها، في النهاية يجب اختيار مكان لها للبناء عليها. وهو الأمر الأصعب في لبنان في النهاية، كما بات معلوماً من خلال التجارب السابقة، خصوصاً أننا نتحدث عن ملف، طالما أُدير بمنطق الصفقات، لا بمنطلق علمي وتقني واقتصادي، ما جعل أي خيار وقرار، حكومي أو بلدي، محلّ شك عند الناس وفاقداً مسبقاً لعنصر أساسي وحاسم في نجاح المعالجة، هو عنصر الثقة. هذا العنصر الجوهري المفقود حتى اللحظة (الثقة) لا يعالجه أي خيار يعتمد حصراً على معطيات «علمية»، كأن نقول إننا نستعين بتقنية متقدمة للمعالجة، لا يعززه أي رأي مقارن، سوى أن يقال إن العالم المتقدم يعتمد هذه الحلول وهذه التقنيات. فكل هذا المنطق يمكن أن يعزز الشكوك بدل أن يعزز الشعور بالطمأنينة. فتقدم أي تقنية لا يُعَدّ سبباً كافياً لتبنيها ونقلها واستيرادها، ولا سيما إذا كان هذا النقل بين بلدان مختلفة تماماً بنيوياً، لناحية طبيعة التقدم نفسها. كذلك إن فكرة «التقدم» ليست هي نفسها، ولا هي فكرة عابرة بين البلدان. فتقدم تقنية كالحرق في بلد صناعي، يعني أن هناك بيئة لهذه التقنية متكاملة ومتطورة قد لا تكون متوافرة في بلد الاستيراد والاستهلاك. وإن «المعالجات» في بلد صناعي لا يفترض أن تكون هي نفسها في بلد استهلاكي. كذلك إن الأطر الاستراتيجية والعلمية والتقنية والثقافية والاقتصادية والقانونية والتنظيمية… ليست هي نفسها بالطبع بين البلدان المتقدمة، وتلك المصنفة نامية مثل لبنان، لكي تُستَسهَل المقارنة أو النقل أو التبني. هذه القواعد نفسها، وغيرها الكثير، يمكن أن تكون كافية لإخراج موضوع اعتماد محارق أو معامل تفكك حراري في بلدان غير صناعية من النقاش فوراً.
كان يفترض بالمجلس البلدي أن يترك كل الملف لمجلس الوزراء، لا بند اختيار المكان وحسب… مع العلم أنه لم يرد في «خريطة طريق» وزير البيئة التي رفعها إلى مجلس الوزراء أخيراً أيّ ذكر لاقتراح إنشاء محرقة لبلدية العاصمة بيروت، ما يدل على درجة الارتباك الذي يتخبط فيه الجميع، خصوصاً الذين يطلبون دراسة الأثر البيئي للمحرقة قبل أن يحددوا المكان، متناسين أن ما هو أهم بالنسبة إلى وزارة البيئة ودورها أن تقدم تقييماً بيئياً استراتيجياً للمشاريع الكبرى في البلاد (بينها المحارق)، بعد أن تكون قد أنجزت استراتيجية شاملة للبيئة أو للتنمية المستدامة… وهي لم تنجز هذه المهمة التاريخية بعد!
من هنا، يفترض أن يصبح المطلب رقم واحد للمعترضين من داخل المجلس البلدي وخارجه، الذين دعوا إلى اعتصامات اليوم رفضاً واستباقاً للعنة المحارق في لبنان، يفترض أن يصبح المطلب الرئيسي عندهم الضغط لكي تقدّم وزارة البيئة استراتيجيتها الشاملة لمعالجة هذا الملف... التي يفترض أن تنطلق من مبادئ باتت عالمية كالتخفيف من النفايات (مع ما يتطلبه من تغيير في النظام الضريبي لمنع تولد الكثير من النفايات قبل أن تتولد) والفرز وتشجيع الاقتصاد الدائري بدل الخطّي (القائم على تشجيع إعادة الاستخدام والتصنيع) والمبدأ الأهم أي الاقتصاد الاستردادي الذي يعتمد على استئجار السلع بدل تملكها (بيع الخدمة) وردّها إلى المصنّع (أو وكلائه) بعد الاستهلاك، الذي عليه أن يتحمل مسؤولية معالجتها ومخاطرها بعد أن تتحول إلى نفايات... ما يُسهم في إعادة النظر بطرق التصنيع الخطية والدائرية المسيطرة، ويعيد الاعتبار إلى قيم «الضيان» التي عرفها أجدادنا تماماً قبل أن تفرض البلدان الصناعية إيقاعها على العالم وتحوله إلى أشياء وسلع مستهلكة، ثم تتعمّد ألّا تتمتع بالجودة، طمعاً في زيادة الإنتاج والاستهلاك والربح… على حساب الطبيعة والاقتصاد الحقيقي.
تتشعب القوى المعارضة لمبدأ حرق الموارد، كما سنشهد بدءاً من اليوم، إلا أنها يفترض أن تتوحد حول مطالب جوهرية ينبغي أن تكون عابرة للطوائف والمذاهب، كما لثنائية أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة. فكما احتضنت العاصمة بيروت الجميع، وحملت مهمة حماية التنوع البشري الموجود تاريخياً داخلها، عليها أن تقدم نموذجاً لمعارضة وطنية شاملة ترفض استسهال حرق تنوع منتجاتها المادية أيضاً، كخيار مكلف من كل نواحيه.