«نحن السكان منزعجون من الضجيج والتجمّعات الصاخبة على الكورنيش... وقلة النظافة». هكذا اعترضت إحدى الحاضرات في القاعة على تجمّعات زوار الكورنيش البحري لبيروت قبالة منزلها المطلّ على البحر. سكنها في تلك المنطقة يحتّم، وفق وجهة نظرها، استمتاعها بالبحر بلا إزعاج بقية سكان المدينة وفقرائها للمساحة العامة الواقعة تحت شرفتها. لذلك، تريد من المخطّطين لتأهيل واجهة بيروت البحريّة أخذ «معاناتها» في الحسبان، وعدم توسيع الرصيف البحري المقابل لساحة عبد الناصر «درءاً لمزيد من التجمعات»!

هذا الموقف «الطبقي» يختصر، بفظاظة، «النزاع» المسكوت عنه في تقاسم المدينة ومساحاتها العامة بين أثريائها وفقرائها، كما يكشف «جهل» الهدف الحقيقي من المساحات العامة وحق السكان بالمدينة بمختلف طبقاتهم الاجتماعيّة. هذا الموقف «العدائيّ» نتيجة طبيعية لسياسات إعادة الإعمار الطاردة لغير الميسورين، ولمشاريع بلديّة بيروت المتعاقبة على تقليص المساحات العامة. استنكار الكلام العنصري والطبقي، جاء على لسان نقيب المهندسين المعمار جاد تابت الذي أعاد، بلهجة حاسمة، التذكير بدور الساحات العامة في المدن كأماكن للحياة المتواصلة واللقاء بين الطبقات كافة وإحداث الصخب. اعتراض تابت على «كلام لا يتفق مع مبادئ نقابة المهندسين»، ينسجم مع المطالعة القانونيّة والتاريخيّة التي قدّمها خلال ندوة «شواطئ بيروت: إعادة تأهيل الكورنيش وتخطيط الواجهة البحرية» الجمعة الماضي. الندوة عقدت في مبنى النقابة لنقاش المشاريع المقترحة للواجهة البحريّة، وشكّلت النشاط الأول لـ«رابطة المهندسين الأخصائيين في التنظيم المدني» برئاسة المهندس فراس مرتضى.
تابت عرض للقرارات المتعلّقة بالمنطقة بدءاً من المخطط التوجيهي الأوّل عام 1954، و«منع البناء بشكل كامل في المنطقتين التاسعة (كورنيش المنارة) والعاشرة (الروشة، شوران والرملة البيضاء) غير المصنّفتين. لكن، بدأت الاستثناءات تمنح خلافاً لنظام المنطقة، كالتغاضي عن بعض المنشآت مثل مسبحي الجامعة الأميركية والحمام العسكري، والسماح بإقامة منشآت مخالفة كمسابح اللونغ بيتش والسبورتنغ كلوب والريفييرا ومقاهي عروس البحر وشاتيلا ودبيبو وغيرها»، و«فندق الموفنبيك الذي يستولي على 40 ألف متر مربع، منها 10 آلاف متر ردم في البحر». تابت شدّد على «تكاثر الاستثناءات»، مفنّداً المراسيم والقرارات التي منحت للمستثمرين وصولاً إلى «مخالفة فندق إيدن باي رغم عدم حصوله على رخصة إشغال». كما شدّد على «فرض تراجع للبناء لا يقلّ عن 25 متراً بالنسبة للأملاك العامة البحرية لحمايتها، وعلى استثناء شواطئ بيروت من مفاعيل مرسوم الفنادق الذي انتهت مهلته مطلع السنة الجارية والذي يطرح البعض اعادة إحيائه».

11 في المئة من الأراضي قرب الشاطئ تعود لبلدية بيروت فيما انتقلت ملكيّة الباقي إلى نافذين


المهندس الاستشاري المصمم للمشروع فلاديمير ديوروفيتش استعرض ما نتج من تعديلات خلال سنتين من العمل عليه، شارحاً «أن العمل صعب بسبب التعديات التي لا تقتصر على الشاطئ، بل أيضاً على الجانب الثاني من الطريق حيث يقوم أصحاب الأبنية المشيّدة بتبليط الرصيف وجعله ملكاً لأبنيتهم». المشروع الممتدّ من «سوليدير» إلى الرملة البيضاء»، سيقتصر بداية على رقعة تجربة «تمتدّ من بيت المحترف اللبناني في عين المريسة إلى الحمام العسكري». وسيحتوي على «14 نقطة يمكن فيها للمشاة الوصول إلى البحر، 7 مواقف للباصات، 4 حمامات عامة، خط للدراجات الهوائية... من دون تصغير الكورنيش بتاتاً». ديوروفيتش يستفيض في التحسينات الشكليّة للمشروع ومنها «تشجيره بالخروب والتين والنخيل والصنور وفقاً لكل مجال، إضاءة الـLED، أجهزة الاستشعار، لون البلاط المنسجم مع تدرجات ألوان مياه البحر...». كما ركّز في شرحه على تعديلات ما بعد جلسة الاستماع العلنيّة الأولى التي نظّمت مع «بيروت مدينتي»، ومنها العدول عن «المسّ بالصخور الموجودة، وعدم توسيع الكورنيش عبر تقديم الجدار الأساسي لجهة البحر بل إنشاء أعمدة ترفع الناتئ كل 12 متراً». قبالة ساحة عبد الناصر، في محلة عين المريسة، يحضّر المصمّم لتنفيذ بيازا (ساحة) كبيرة بعرض 40 متراً لناحية البحر وطول 100 متر، من خلال «تخفيض الحائط الموجود أساساً من علو 7 أمتار إلى 3». هنا، طلب ديوروفيتش من الحاضرين «تخيّل النشاطات التي يمكن تنظيمها على البيازا كسوق الطيب وسواها»، وهو ما يمكن أن يطرح السؤال حول الوجهة المستقبليّة للمكان وإمكانية تحويله من مكان للعامة إلى مكان يستهدف الطبقات الأعلى دخلاً.
مداخلات الحاضرين في القاعة المحتشدة، ومعظمهم من المهندسين، تعدّدت حول «صوابية النتوءات على الكورنيش في مضرب الموج، إمكانية ردع الناس في الشتاء عن الاقتراب من البحر في ظل خفض الحائط الموجود حالياً، تحوّل الساحة المنخفضة إلى مستنقع للمياه شتاء، عدم اعتماد نظام طاقة شمسيّة للإضاءة، استيعاب المواقف المقترحة (300 موقف) لجميع الزوار، تفعيل النقل العام...». عندها، صعد رئيس بلدية بيروت المهندس جمال عيتاني إلى المنصّة وركّز كرسياً بقرب المحاضرين. وبدلاً من تدوين الملاحظات، حرص على الإجابة كوصيّ على المشروع عوضاً من المهندس المخطّط له.
اهتمام الناس بالمساحات العامة، وخصوصاً الكورنيش، كآخر متنفس لهم، انعكس على القاعة التي غصّت بالحضور المتنوّع لتطول الندوة لأكثر من 3 ساعات. النقاش الدائر، «عقلنته» أستاذة التخطيط المُدني في الجامعة الأميركية في بيروت منى فواز في مداخلتها. إذ ذكّرت بـ«الدراسة التطوعّية» حول المشروع التي أعدّتها مع مجموعة باحثين ونشرها معهد عصام فارس للدراسات. «قبل التفكير بتجميل الكورنيش»، أعادت فواز النقاش إلى ضرورة «إزالة المخالفات كافة ومنع البناء في المنطقة التاسعة، واستعادة الأملاك المعتدى عليها في المنطقة العاشرة الممتدة من الحمام العسكري إلى منتجع الكمبنسكي سامرلاند». كما لفتت إلى «نسبة 11 في المئة من الأراضي فقط العائدة لبلدية بيروت فيما معظم العقارات الباقية انتقلت ملكيّتها إلى نافذين». اقتراحها يقضي أيضاً بـ«إرجاع التعديّات عن دالية الروشة لتصبح منطقة خضراء للعامّة، إزالة مخالفات البناء، وتشجير المنطقة». فواز أعادت ترتيب الأولويّات بدءاً من «إزالة مجرور الرملة البيضاء والحل الكامل للصرف الصحي في بيروت الكبرى، إزالة التعديات على الأملاك العامة والبحرية، ثم تأهيل الكورنيش».