«المباراة الوطنية الأولى للروبوت» التي نظمت في مدينة صور، أخيراً، أتاحت الفرصة لـ100 تلميذ من 26 مدرسة وثانوية رسمية وخاصة لعرض تصاميم ابتكارية تبحث عن حلول لمشكلات حياتية متنوعة، صحياً وبيئياً وتربوياً وزراعياً وغيرها. وهي مشاريع صغيرة يستوقفنا أصحابها بفكرهم وقدراتهم وكمية الطاقات العلمية المشحونة في عقولهم وخيالهم المتحرّر من أسوار المناهج المدرسية الرديئة.

المباراة واحدة من مبادرات فردية مضيئة على مستوى الوطن تحفز الشباب على المشاركة في برامج ابتكارية وورش عمل تكنولوجية وريادة أعمال الكترونية، وترميز برمجيات وغيرها. والانطباع الجميل الذي يخرج به المرء من مبادرات كهذه، سرعان ما يتبدد عندما نتذكر غياب الدولة عن مشهد الموهوبين والمبدعين وعدم رعايتهم في بلد الألف أزمة وأزمة. فيما قراءة تقرير مؤشر الابتكار العالمي 2018 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) تزيد الوضع تشاؤماً، إذ تأخّر لبنان 20 نقطة عن عام 2016 ليحتل المرتبة 90 عالمياًَ من بين 126 دولة، بمعدل 28.22 نقطة من 100، في حين تصدرت سويسرا القائمة (68.4) تلتها هولندا (63.32) والسويد (63.08). كما حلّ في المرتبة العاشرة عربياً من بين 13 دولة تصدرتها الإمارات العربية المتحدة (42.58)، ثم قطر (36.56)، فالكويت (34.43). كما حلّ في المرتبة 16 من بين 19 دولة في منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا (تصدرها الكيان الغاصب الذي حلّ 11 عالمياً) في مؤشرات عدد الباحثين والنفقات على أنشطة البحث والتطوير. والأسوأ من هذا كله، كان ترتيب لبنان على مستوى مخرجات الابتكار (المخرجات المعرفية والتكنولوجية، والمخرجات الإبداعية) التي تقيس الدلائل الحقيقية على نتائج الابتكار، إذ جاء في المرتبة 94 من بين 126 دولة ومتأخراً 37 نقطة عن عام 2016، أي أنّ العالم يتقدم ونحن نراوح مكاننا.
نتائج المؤشر كانت لتزداد سوءاً لولا التقدم الذي يحرزه لبنان في الابتكار عبر الإنترنت والمتمثل بتطبيقات الهواتف الذكية والتي حل فيها في المرتبة 11 عالمياً. لكن ذلك لم يوقف اتساع الفجوة مع العالم المتقدم من حولنا.
يهدف تقرير مؤشر الابتكار العالمي إلى ترتيب القدرات الابتكارية لاقتصادات العالم ونتائجها بالاستناد إلى 80 مؤشراً، من بينها نسب إيداع طلبات الملكية الفكرية، عدد تطبيقات الهاتف الجوال المطوّرة، نفقات قطاع التعليم، المنشورات العلمية والتقنية، جودة الأوراق البحثية والجامعات، صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عدد براءات الاختراع، الصادرات الصافية للمنتجات التكنولوجية العالية التطور، عدد مواهب البحث، تطوير مراكز البحث والتطوير وغيرها من المؤشرات.

يجب وضع استراتيجية وطنية للابتكار وإطلاق صندوق مالي لتحويل الأفكار إلى مشروعات حقيقية


وتعكس نتائج التقرير ضعف اهتمام الدولة بتحسين جودة الإبتكار بوصفه محركاً للنمو والازدهار في الميدان الاقتصادي، وغياب الإرادة والرغبة في التحول إلى مجتمع معرفي. كما تظهر أن الاقتصاد اللبناني استهلاكي للتكنولوجيا والمعرفة بامتياز، وان الأوراق البحثية المنجزة في الجامعات والمؤسسات ومراكز الأبحاث ضعيفة الفاعلية على مستوى إنتاج معارف جديدة ونتاجات إبتكارية هامة، رغم ارتفاع عدد الباحثين وعدد خريجي الهندسة والعلوم. كما تظهر عدم النجاح في تسجيل براءات اختراع عالمياً إلا نادراً، وأنّ مراكز البحوث والتطوير القليلة المتوافرة لا تؤدي الدور المطلوب منها لإنتاج بيئة ابتكارية ملائمة، إضافة إلى ضعف البنية التحتية المطلوبة للابتكار.
صحيح أننا لن نصبح دولة ابتكارية عظمى بين ليلة وضحاها. لكن، إزاء هذا الواقع المأزوم والمتراجع، يصبح الكشف عن الشباب اللبناني المبتكر من الأولويات. الواجب الوطني، بحده الأدنى، يقتضي أن نأخذ بأيدي أبنائنا المبدعين والمبتكرين عبر وضع استراتيجية وطنية للابتكار، كما فعلت دولة الإمارات عامي 2015 و 2018، وإطلاق صندوق مالي لمساعدة المبتكرين الصغار لتحويل أفكارهم إلى مشروعات حقيقية كما فعلت سنغافورة التي أطلقت صندوقاً بقيمة مليار دولار لمساعدة المبتكرين الصغار.
مثل هذه الاستراتيجية تستلزم إرادة سياسية قوية وحركة مجتمعية فاعلة ومناخ أعمال مشجع، وتمويل الأبحاث العلمية، ودفع الجامعات للقيام بدور محوري في التقدم نحو اقتصاد المعرفة للمزج بين التكوين الجامعي والبحث العلمي والابتكار بما يشمله من إبداعات تكنولوجية، ونشر ثقافة الذكاء الاصطناعي وإدخالها ضمن المناهج الرسمية العتيدة، وتحسين جودة التعليم باعتماد أساليب جديدة تصقل مهارات التقصي والاستكشاف والقيادة لدى المتعلمين، وتمكين براءة الاختراع اللبنانية عالميا لحماية الابتكارات اللبنانية، واستحداث بيئة ملائمة للإبتكار والإبداع عبر تأمين مراكز خاصة بالابتكار (innovation centers) ومختبرات التصنيع FAB LABS (fabrication lab ) في المناطق اللبنانية كافة لمساعدة الشباب على تنفيذ أفكارهم، وتأمين حاضنات أعمال (incubators) للمبتكرين لتمكينهم من العمل على بناء شركاتهم الناشئة الخاصة في مجال التكنولوجيا.

رابط التقرير: https://www.globalinnovationindex.org/gii-2018-report

* باحث تربوي ومدير المباراة الوطنية للروبوت