نحو 600 مليار ليرة خسرتها الدولة بين عامي 2012 و2018 بسبب امتناع مجلس الوزراء عن تعديل مرسوم لتخمين رسوم إشغال الأملاك العامة البحرية، وفق غازي العريضي. وزير الأشغال السابق أخذ على الدولة «غياب المعايير العلمية والقانونية في مقاربة ذها الملف». وأكّد في ورشة عمل نظّمها الحزب التقدمي الإشتراكي في فندق «راديسون»، أول من أمس، أنّ ملف الأملاك العمومية البحرية «لا يعود بمليارات الدولارات سنويا كما يُشاع... لكنه يعود بمال وفير لخزينة الدولة».

العريضي ذكّر بأنه طرح عام 2012 على مجلس الوزراء مشروع مرسوم لتعديل الرسوم السنوية المترتبة على الترخيص بالإشغال المؤقت للأملاك العمومية البحرية، «لكنّه لم يُقرّ إلّا عام 2018، بعد ست سنوات، ما أدّى الى تفويت نحو 400 مليون دولار» على الخزينة. علماً أن الاقتراح كرّس مبدأ الإشغال شبه المجاني للأملاك البحرية، معتمداً تخمينات منخفضة جداً لأسعار العقارات ورسوماً منخفضة على إشغالها واستثمارها.
هدف الندوة التي عُقدت بعنوان «الاملاك العمومية البحرية: واقعها، ايراداتها الفعلية، القوانين التي ترعاها والاجراءات المستقبلية»، لم يكن خافيا على أحد، وهو «الترويج» لطرح وزيري الحزب في الحكومة اقتراح جباية الرسوم من شاغلي الاملاك البحرية في سياق البحث عن موارد للخزينة واستثماره سياسياً. إلا أنّ ما جاء فيها يحتّم إعادة طرح النقاش الجدّي في هذا الملف، بعيداً من المزايدات السياسية.
وفيما أشار العريضي الى ضرورة «تصويب النقاش المتعلّق بالأملاك العمومية البحرية»، تبيّن أن نقاش الوزير السابق نفسه يحتاج الى تصويب. إذ إنّ الأملاك البحرية لا تعود بمليارات الدولارات على الخزينة لأنّ الدولة «لا تعتمد السعر الرائج للعقارات، وتفرض نسبة 0.5% فقط من قيمة العقار كرسم، ما يسمح باستئجار مساحات واسعة بمبالغ ضئيلة مقارنة بالارباح التي يجبيها الشاغلون»، بحسب الباحث محمد شمس الدين. الأخير لفت الى أنّ القائمين على السلطة لا يعيرون اهتماماً لملف الأملاك البحرية باعتبار أنه لن «يدرّ» أكثر من 400 مليون دولار سنوياً، «في حين أن الغرامات والاشغالات يجب أن تفوق هذا الرقم بأضعاف».

رؤية السلطة للشاطئ لا تتعدّى كونه «تنفيعة» للمُستثمرين أو أحد موارد الخزينة


الجدير ذكره أنّ اعتماد مبلغ الـ600 مليار ليرة كرقم توصيفي لحجم الإيرادات المفترض تحصيلها من شاغلي الأملاك العمومية البحرية يعود الى حساب تقريبي يستند إلى أرقام مديرية النقل البري والبحري. فبحسب المدير العام للنقل البري والبحري عبد الحفيظ القيسي، أحصت وزارة الأشغال العامة 1068 تعدّيا على الشاطئ بمساحة تتجاوز مليوني متر مربع. وبعد صدور قانون معالجة الإشغال غير القانوني للأملاك العامة البحرية تقدّم 227 مُعتدياً على البحر لاجراء تسويات، 191 منهم تم الانتهاء من دراسة طلبهم فيما بلغ إجمالي الغرامات التي تم تكليفها نحو 144 مليار ليرة. وعلى أساس هذه الأرقام تم تخمين الرسوم السنوية المتوقّع تحصيلها، بحسب شمس الدين.
وفيما كان المؤتمرون مشغولين في احتساب الاموال التي يمكن الدولة أن تجبيها من المعتدين على البحر، أتت مداخلة أستاذة التخطيط المدني في الجامعة الأميركية منى فواز لتُعيد تصويب النقاش، فعلاً هذه المرّة. إذ ذكّرت الحاضرين بمقاربة تتجاهلها السلطة والمعنيون فيها قوامها استرداد البحر كحيّز عام مفتوح للعموم ومحاسبة المعتدين وازالة التعديات من جهة، والنظر الى البحر بوصفه محرّكاً أساسياً للعجلة الإقتصادية.
وفيما لفتت فواز الى أن رؤية السلطة للشاطئ اللبناني لا تتعدّى كونه إما وسيلة «لتنفيع المُستثمرين» أو للحصول على موارد للخزينة، أشارت الى أهمية القضاء على مساعي خصخصة البحر التي بدأت منذ عقود، وتكريس البحر حيزا عاما مفتوحا ومتواصلا بدل السعي يوميا الى مفاوضة المعتدين ومناقشة الغرامات والرسوم المتوجبة عليهم.



لا لتبليط البحر!
تزامنا مع انعقاد الندوة، كان ممثلون عن أهالي عين المريسة وسُكّانها يعقدون مؤتمراً صحفياً بعنوان «هل نحن بحاجة لتبليط البحر؟» رفضا لمشروع «مخطط تطوير الكورنيش البحري« الذي تنوي بلدية بيروت تنفيذه خلال الأشهر المُقبلة.
ويقضي المشروع بإزالة الحواجز الحديدية الفاصلة بين الكورنيش والبحر، وبتوسيع الفسحة المخصصة للمشاة على الكورنيش من خلال خلق مساحات اسمنتية ذات مستويات متدرجة، تبدأ من مستوى الطريق العام وتنتهي بمسافة ملاصقة لصخور الشاطئ، على أن يُعاد تشجير الكورنيش على أطرافه التي يحدّها الطريق العام.
وشكّك المؤتمرون في جدوى المشروع لافتين الى أن «الأجدى صرف 25 مليون دولار على أولويات مُلحّة، كإيجاد حل جذري لتصريف المياه الآسنة في البحر عبر إكمال مشروع المجاري وإنشاء مركز معالجة مياه الصرف في شمال بيروت».