لم تنجز بلدية بيروت بعد دفتر الشروط لمعمل التفكك الحراري (المحرقة) الذي تنوي إنشاءه في العاصمة، رغم مرور أكثر من سنة على إعلان رئيس المجلس البلدي جمال عيتاني أن البلدية تتحضّر لإطلاق مُناقصة في هذا الشأن «خلال ثلاثة أشهر»، قبل أن يعلن في تموز الماضي إرجاء المشروع، ورغم مرور سبعة أشهر على إقرار مجلس النواب قانون إدارة النفايات الذي يسمح باللجوء الى هذه التقنية.

التأخير تعزوه مصادر مطلعة الى «نقاشات مفتوحة» بين عيتاني وحزب القوات اللبنانية ممثلاً بنائبه عن بيروت عماد واكيم والأعضاء القواتيين في المجلس البلدي. اللقاءات التي توقفت نحو شهرين بين الجانبين استؤنفت أخيراً، لدرس ملاحظات قواتية على مشروع المحرقة. المصادر نفسها تؤكد ان القوات التي تدرك أن المشروع سيقرّ على طاولة المجلس البلدي ولو من دون موافقتها بسبب تأييد تيار المستقبل والتيار الوطني الحر له، تسعى الى إظهار نفسها كالطرف الوحيد الذي يجهد لتحسين شروط المشروع لأسباب شعبوية، عبر وضع «شروط تعجيزية لا يُمكن تطبيقها في بلد مثل لبنان»، وإن كانت - بحسب خبراء بيئيين - «تتناسب ومعايير السلامة العامة».
آخر لقاء بين واكيم وعيتاني عُقد الأسبوع الماضي، ووُضعت خلاله اللمسات الأخيرة على دفتر الشروط الخاص بالصفقة، «على أن يأخذ عيتاني بالملاحظات، ويعاود إطلاعنا على النسخة المعدلة قبل عرضها على المجلس البلدي»، وفق تأكيد مصادر قواتية لـ«الأخبار».
مصادر بلدية تأخذ على عيتاني «انصياعه لضغوط حزب القوات الذي رفض دفتر الشروط منذ البداية»، علماً أن «رئيس البلدية كان مستعجلاً لطرحه على الأعضاء». إلا أنه «فتح باب التفاوض مع القوات خشية ان تعمد الى تحريك الشارع ضد المشروع». فيما برّرت المصادر القواتية التأخير بأن «الملف كان يُدرس بشكل تفصيلي وعلمي وتقني لتحسين الشروط. وقد عقدت لذلك ست ندوات حضر رئيس البلدية بعضها، واستقدم خبراء متخصصون في هذا المجال قبل أن نبدأ مناقشة بنود دفتر الشروط بشكل تفصيلي مع عيتاني». وأوضحت أن رئيس البلدية «كان في البداية حذراً في التعاطي مع ملاحظاتنا، لكنه سرعان ما أخذ بعدد منها». إلا أن اللافت أن المصادر لا تزال تشدّد على «الرفض المطلق لاقامة المعمل في الكرنتينا»، وهو الموقع الأكثر ترجيحاً لإنشائها، ما يشير الى أن الأمور لم تنضج تماماً.

لا تزال القوات اللبنانية ترفض الكرنتينا موقعاً لإنشاء المحرقة


الملاحظات القواتية رأى فيها خبراء بيئيون أنها «تراعي شروط السلامة العامة، إلا أنها صعبة التطبيق على أرض الواقع، وترفع كلفة المشروع بشكل كبير بما يجعله صعب التحقّق». فالقوات، مثلاً، تشترط للموافقة على المشروع تطبيق خطة الفرز من المصدر. «فهذه الخطّة إذا نجحت البلدية في تطبيقها لا تعود هناك حاجة أصلاً للمحارق». ومن الملاحظات القواتية اختيار شركة لتقييم الأثر البيئي تكون لديها خبرة في استرداد الطاقة من النفايات وتوافق عليها وزارة البيئة، واختيار استشاري لمراقبة العمل، والطلب من الشركات التي تتقدم الى المناقصة أن تدرج ضمن ملفاتها عقداً موقّعاً مع دولة توافق على استقبال ما يتبقى من رماد النفايات، وتجهيز مختبرات في جامعات معينة في لبنان على حساب البلدية تتولى فحص هذا الرماد قبل استخدامه للتأكد من عدم وجود معادن ثقيلة فيه. أما النقطة التي أخذت حيزاً كبيراً من النقاش فهي «إلزام الأفرقاء الدوليين المشغلين والموردين أن يكونوا شركاء للشركة الموقعة للعقد، لأن ذلك سيشجعهم على تفعيل الرقابة». كما طلبت القوات «تأمين المعمل بقيمة 50 مليون دولار، على أن يطال هذا التأمين الشركات المشغلة»، بمعنى أن «المسؤولية في حال حدوث كارثة ستقع على كاهلها». ويضاف إلى ذلك «طلب تضمين دفتر الشروط جدوى إقتصادية، والإصرار على تعديل الشروط الفنية لدراسة تقييم الأثر البيئي، حيث يصار الى المقارنة بين انبعاثات المعمل ومستويات التلوث في المنطقة المقترحة. فإذا كانت نسبة التلوث عالية يجري البحث عن بدائل جغرافية أخرى». هذا البند وضعته مصادر بلدية ضمن إطار الشروط التعجيزية «إذ إن بيروت كلها تعاني من نسبة عالية من التلوث، وبهذا الشرط فإن القوات تقول بشكل غير مباشر إنها ترفض إقامة محرقة في بيروت».
الى ذلك، علمت «الأخبار» أن واكيم يعّد إقتراح قانون لتعديل إطار قانون ادارة النفايات، يطالب فيه بأن «تضمّ لجنة الرقابة على المحارق التي يشكلها وزير البيئة ممثلين عن وزارات أخرى وعن المجتمع المدني والمختبرات في الجامعات، وبإعطائها صلاحيات لاتخاذ قرارات وتنفيذها».