لا إحصاءات رسمية لعدد المتخرجين اللبنانيين سنوياً من حملة شهادة الدكتوراه في الخارج. المجلس الوطني للبحوث العلمية، وحده، يوزّع سنوياً 60 منحة دكتوراه في جامعات محلية وفي الخارج، فيما لا أرقام متوافرة لمن لا يمرّون عبر المجلس. غير أن التقديرات تؤكّد «تضخم» عدد «الدكاترة» عاماً بعد آخر، فيما فرص العمل المحلية في مختلف التخصصات الجامعية تكاد تكون معدومة، إلا في القطاع الأكاديمي الذي يشهد تضخّماً هو الآخر، ما يطرح علامات استفهام حول مصير «الدكاترة» في بلد لا يوفّر عملاً لهم في مجالاتهم.

كثيرون من متخرّجي العلوم الأساسية كالبيولوجيا والفيزياء والكيمياء وبعض متخرّجي الرياضيات والهندسة يصطدمون، بعد مرحلة الإجازة الجامعية، بسوق عمل غير مفتوح، إذ «لا مصانع ولا مختبرات توظفهم، ما يضيّق الخيارات أمامهم، فيقررون متابعة تحصيلهم العلمي العالي». بهذا المعنى، «تغدو الدكتوراه هرباً من البطالة بعد الإجازة الجامعية، أو تأجيلاً لها إلى ما بعد نيل الدكتوراه»، بحسب مديرة برنامج منح الدكتوراه في المجلس الوطني للبحوث العلمية تمارا الزين. وهي حال علي فحص الذي فضّل متابعة دراساته العليا في هندسة الاتصالات في جامعة غرينوبل الفرنسية «تحسّباً للمستقبل»، وأملاً في أن تتحسن فرصه في لبنان في حال عاد إليه، «خصوصاً أن جامعات خاصة كثيرة في لبنان تدرّس هذا الاختصاص وتضاعف عدد طلابه». قبل أربع سنوات، أنهى فحص الدكتوراه وبقي مقيماً في فرنسا بسبب ضيق الخيارات في لبنان، فيما العمل في المجال الأكاديمي مسألة «حظ ووسايط».
تلفت الزين الى أن بين الأسباب التي تحول دون أن يجد كثر من حملة الدكتوراه وظائف في السوق المحلية، أن «أطروحات غالبيتهم ترتبط برؤية الجامعات الأجنبية التي يدرسون فيها، والتي تبتعد نوعاً ما عن حاجات لبنان، ولا صلة لها مع جامعات ومراكز أبحاث محلية». لذلك، يحاول المجلس تحديد أولويات المحاور البحثية والتوجيه الى مواضيع أطروحات مرتبطة بالحاجات الوطنية: «كل سنة لدينا لائحة بالأولويات، ونحاول أن ندفع الطلاب صوبها، وأي أطروحة لا تندرج ضمن هذه الأولويات لا نقدم لها التمويل».
بحسب الزين، فإن محدودية التوظيف في القطاعات غير الأكاديمية (مصانع، شركات…) سببها طابعها «البدائي»، إذ «لا تزال بعيدة عن سياسات البحث والتطوير، وهو ما يحصر مصير حملة الدكتوراه بالجامعات ومراكز الأبحاث التي لا تستطيع بطبيعة الحال استيعاب الأعداد الهائلة من حملة الشهادات العليا». كما في حالة أماني درويش التي أنهت الدكتوراه في «النانو تكنولوجي والنانو إلكترونيك»، وهذا «اختصاص لا يوجد له عمل في لبنان، إذ يعتمد تكنولوجيا حديثة جداً ويتطلب موارد مادية ضخمة في إطار شركات ومختبرات علمية». لذلك، فضّلت الاستقرار في الخارج، لأن العودة إلى لبنان تعني العمل في مجال التعليم، و«الحصول على وظيفة في الجامعة اللبنانية أمر خاضع للمحسوبيات».
والى فكرة الرحيل المغرية عن بلد مضطرب اقتصادياً واجتماعياً، يربط كثيرون «الهجمة» على تحصيل شهادة الدكتوراه بزيادة المعاشات التي لحقت بالأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية، والتي تساوي 5 أضعاف الحد الأدنى للأجور، ما يجعل منها وظيفة نخبوية مريحة على المستويين المادي والمعنوي. بحسب إبراهيم بيطار الذي أنهى الدكتوراه في الهندسة المدنية، «خيار العودة إلى لبنان ليس سهلاً لضآلة فرص العمل في الاختصاص... وحده العمل الأكاديمي يبقي مجال العودة إلى الوطن مفتوحاً. لكن الأمور تصعب مع الوقت، لأن عدد الدكاترة اللبنانيين في تكاثر هائل»، ما يجعل شهادة «الدكتوراه» لـ«العرض»، في ظل ندرة الطلب!