بعد 26 عاماً على تأسيس الوزارة، أصدر وزير البيئة فادي جريصاتي، الجمعة الماضي، بياناً يمكن اعتباره بمثابة برنامج او خطة عمل للوزارة للفترة المقبلة. ملخّص هذا البرنامج: وضع استراتيجية قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة وتطبيقها، وضع المخطط التوجيهي الجديد للمقالع والكسارات وتنظيم التراخيص، إصدار قانون المحميات الطبيعية، تنظيم الصيد البري المستدام ومنع قتل الطيور المهاجرة وملاحقة المخالفين، تقليص التداعيات البيئية السلبية لأزمة النازحين، استكمال تنفيذ خارطة الطريق لمكافحة التلوث في حوض نهر الليطاني وبحيرة القرعون وأنهر عكار وسائر المجاري المائية، مراقبة نوعية الهواء، حماية قمم الجبال والمناطق الطبيعية، تنظيم استثمار الشواطىء والمساحات الخضراء والأراضي الزراعية، إلزام المستشفيات والمؤسسات الصحيّة بإدارة النفايات الطبية ومعالجتها، استكمال التعاون مع المؤسسات الصناعية ضمن مشروع مكافحة التلوّث البيئي، واحترام دور وزارة البيئة وصلاحياتها وهيبة القوانين الصادرة عنها لتنظيم شؤون قطاع البيئة.

قد تكون لنا قراءات ومداخل مختلفة لكل من هذه الملفات. الا أن ما بدا لافتاً، في البيان، هو «النَفَس التأسيسي» الذي يتحدث عن وضع استراتيجيات وتطبيق قوانين واحترام أدوار وصلاحيات… لعناوين وقضايا مطروحة منذ إنشاء الوزارة، قبل نحو ربع قرن! وإذ تبدو هذه العناوين صائبة، خصوصاً إذا ما أُضيفت اليها استراتيجية عامة للوزارة نفسها (وأخرى للتنمية المستدامة عموماً) يفترض أن تحضرها الوزارة وتعرضها على مجلس الوزراء لتبنيها، وتنبثق عنها استراتيجيات خاصة بكل ملف... إلا أن السؤال البديهي هو: لماذا لم تقم الوزارة بهذه المهمة طوال الفترة الماضية، وما الذي حال دون وضع هذه الاستراتيجيات والقوانين، لا سيما بعد إقرار قانون البيئة الرقم 444 (عام 2002) وتحديد المبادئ والمهام والصلاحيات؟! والأهم: هل وضع الوزير الجديد يده على العلة الكامنة في الوزارة والتي حالت طوال الفترة الماضية دون تحقيق أبسط الأهداف، وهل أعدّ، بالتالي، العدّة لمعالجتها او تجاوزها؟
طبعاً كان يمكن تصحيح بعض العناوين في البرنامج، مثل وضع استراتيجية لملف المقالع والكسّارات والمرامل وشركات الترابة وقطاع البناء عامة، واعتماد قانون بدل المراسيم التنظيمية، واعادة النظر بقانون الصيد بدل تنظيمه، واعادة النظر باستراتيجية نوعية الهواء التي لم تناقش بعد، ناهيك عن اضافة عناوين اخرى لا تقل اهمية، مثل الضغط لإعادة النظر في استراتيجية المياه وإنشاء السدود من خلال تقييم بيئي استراتيجي لخطط المياه الاستثمارية والعشوائية وكيفية معالجة مياه الصرف، ووضع استراتيجية لمواجهة التغيرات المناخية لناحية التخفيف من الانبعاثات والتكيف مع الظاهرة ومظاهرها المتطرفة، والاهتمام بوضع استراتيجية للطاقة لا سيما المستدامة التي يمكن أن تغنينا عن البواخر والمولدات الخاصة وإنشاء المزيد من المعامل الحرارية مع التشديد على ضبط الهدر والاستهلاك والاهتمام بالطاقات المتجددة والنظيفة، واعادة النظر بخيار التنقيب عن النفط والغاز اذا امكن، او التشدد في ضرورة اشراف وزارة البيئة والدولة على الدراسات الاستباقية للتنوع البيولوجي البحري والإشراف على المسوحات والتشدد في التشريعات الحمائية من التلوث النفطي في المراحل كافة وانشاء وحدات خاصة ومجهزة في وزارة البيئة وهيئات طوارئ متخصصة مشتركة مع إدارات واجهزة اخرى... والاهتمام أكثر بالامن الغذائي وسلامته، واعادة النظر بالسياسات الاقتصادية وطرق الانتاج والاستهلاك والاستيراد والتسويق، والاهتمام بالتلوث الضوضائي والكهرومغناطيسي، واعادة النظر بمعايير تلوث الفضاء بسبب فوضى هوائيات الهاتف الخليوي والتوتر العالي لشبكات الكهرباء واجهزة البث... الخ، إضافة الى الاهتمام بالسياحة البيئية المستدامة وتنظيمها، وبالزراعة العضوية ودعمها بعد قوننتها والتشدد في مراقبة مواصفاتها، ومراجعة مواصفات الكثير من السلع، ومراجعة البرامج التربوية لإدخال البيئة في المناهج التعليمية والاختصاصات الجامعية، ودعم مراكز الابحاث وانتاج الكتب والمطبوعات العميقة والاهتمام بالتدريبات اللازمة للقضاة المتخصصين والمحققين وأجهزة التفتيش والخبراء المحلفين...الخ.
لا يستوي كل ذلك، اذا لم يتم وضع استراتيجية شاملة للتنمية المستدامة، تقترح نموذجاً حضارياً جديداً أكثر عدلاً وتصالحاً مع الطبيعة ومعطياتها ومواردها، يحفظ ديمومتها وحقوق الأجيال القادمة في العيش فيها، وتربط بين كل هذه القضايا والقطاعات وتحدد المعطيات والمبادئ والاهداف والخطط والأولويات والمسؤوليات والعقوبات والمحفّزات...
واذ كان لافتا النشاط الزائد لوزير البيئة الجديد الذي جال بين المناطق وتعرف على معظم المشاكل والنقاط الساخنة بيئياً، وشارك في الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة في نيروبي، وأطلّ على بعض المشاكل العالمية… الا أن الصعوبة الأكبر في مهمته سيجدها، ربما، في بيته الداخلي في وزارة البيئة والبنية المؤسساتية المشلّعة تاريخياً بمشاكل مزمنة وخطيرة، بين وزراء الصدف العجيبة وحقيبة البقية الباقية من تسويات الزعماء والكتل أثناء تشكيل الحكومات، وبين المدير العام (الامبراطور) الذي لم يقتنع يوما بضرورة وجود استراتيجيات ملزمة ولا فهم معناها ربما، وبين هذا الأخير وأكثرية العاملين في الوزارة... كل هذه المشاكل حالت دون انجاز العمل المطلوب على المستوى الاستراتيجي والتنفيذي… وقد أصبحت هذه الوزارة جزءاً لا يتجزأ من المشاكل البيئية في لبنان الذي كنا نعتقد، قبل أن يأتينا العباقرة من السياسيين المستثمرين في كل شيء، أن رأسماله الأساسي هو طبيعته ومناخه!