«إذا بيتوقف معمل غوسطا (في كسروان لمعالجة النفايات)، رح يكون في عصيان مدني. نحنا شعب فينا دم». لكن «الشعب» خيّب آمال صاحب «التوقّع» (خلال مقابلة تلفزيونية) النائب نعمة افرام. إذ لم يتحرّك أحد غداة توقّف المعمل، في كانون الأول الماضي. والسبب بسيط: عدم تكدّس النفايات في الشوارع... بعد. وهو ما سيحدث، خلال أسابيع، مع بلوغ مطمر برج حمود قدرته الاستيعابية القصوى، من دون أن تكون لقضاء كسروان ــــ الفتوح أي خطة لمواجهة الأمر.

أزمة القضاء جزء من «المصيبة» المركزية في غياب استراتيجية وطنية لمعالجة هذه الكارثة التي سيتشاركها مع المتن وجزء من بيروت. لكنها، في الوقت نفسه، تضيء على الإخفاق في إيجاد حلول استباقية لأزمة متوقّعة. فتجربة معمل غوسطا لم تصمد، ومحاولة اتحاد بلديات كسروان ــــ الفتوح إنشاء معمل في 2016 لم تصل إلى خواتيمها المرجوّة. ورغم التنافس السياسي بين من يقفون وراء المشروعين، إلا أن الاستنتاج واحد: إبقاء القضاء رهينة شركة «رامكو»، وعدم السماح له بالاستقلال في معالجة نفاياته. وإحدى وسائل الضغط عدم إعفاء البلديات من ديونها لشركة «سوكلين».
«بلدياتنا مرهونة لولد الولد»، يقول افرام الذي تقدّم في تشرين الأول الماضي باقتراح قانون مُعجّل مُكرّر لإعفاء البلديات من الديون المتعلقة بإدارة النفايات التي ترتبت عليها قبل صدور قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة (10/10/2018). الاقتراح لم يُدرج على جدول أعمال الجلستين التشريعيتين، الأسبوع الماضي، وأُحيل إلى لجنة البيئة النيابية. الأسباب الموجبة للاقتراح عديدة، منها أنّ قانون النفايات ينصّ على اعتماد الحلول اللامركزية وإعداد برامج محلية لإدارة النفايات الصلبة، ولكن «لا إمكانات مادية متوافرة للإدارات المحلية لتطبيق هذا القانون». إذ إن موازنات عدد كبير من البلديات تقتصر على الرسوم البلدية وعائدات الصندوق البلدي المستقل، «وهي لا تكفي لإتمام واجبات الإدارات المحلية»، فضلاً عن اقتطاع نسبة من عائدات الصندوق «كتقسيط لقيمة عقود إدارة النفايات الصلبة». الحلّ الوحيد، بحسب ما يؤكد افرام لـ«الأخبار»، هو الإعفاء من الديون التي كانت وراء إقفال معمل غوسطا الذي أُنشئ على مساحة 30 ألف متر مربع بقدرة استيعابية تصل إلى 200 طن يومياً، لكنّها اقتصرت خلال فترة عمله على 15 طناً في اليوم من بلدات غوسطا وعينطورة وجديدة غزير وغبالة، وبكلفة 60 دولاراً للطن لمصلحة بلدية غوسطا.

تكثر المشاريع لقضاء يُنتج 350 طنّاً في اليوم من دون تنسيق لاعتماد الخطّة الأفضل


ديون البلديات سبب أساس لعدم إيجاد حلول. لكن الإنصاف يقتضي القول إن التنافس السياسي، وخصوصاً بين الغريمين افرام ورئيس الاتحاد جوان حبيش، يجعل الأمر أصعب. فمعمل غوسطا، مثلاً، لم يجد أكثر من أربع بلديات تتعامل معه، فيما تكثر المشاريع في قضاء يُنتج 350 طنّاً في اليوم، من دون توحيد الجهود أو تنسيقها لاعتماد الخطّة الأفضل، بل يعمل كلّ «على حسابه»، علماً بأنه يقول، منذ 2016، إنّ المعمل سيكون جاهزاً «بعد 6 أشهر». يبرّر ذلك بأن «ملفنا كان جاهزاً وأودع لدى اللجنة المختصة التي أُنشئت برئاسة وزير الداخلية نهاد المشنوق، وكنا بحاجة إلى موعد واحد مع الوزير، لكنّه تخلّف عن تحديده لنا. ويبدو أنّ النية هي إبقاؤنا مربوطين بشركة رامكو». ويضيف إنّ الدولة «سمحت للبلديات بإيجاد حلول، ولم تُساعدنا لتطبيقها. فليعطونا أموالنا من الصندوق المستقل ونحن نتدبر أمورنا».
لدى حبيش «حلول سنقوم بعرضها على وزير البيئة». أولى الخطوات ستظهر بعد أسابيع قليلة، «وهي لمّ النفايات المفروزة من المنازل. من يعتمد الفرز، يتواصل مع البلدية عبر تطبيق لتقوم بشحنها من منزله». في البداية، ستكون الخطة محصورة ببلدية جونية. والمرحلة الثانية تتضمّن معمل التسبيخ والتدوير وإعادة التصنيع، «ويتم التفاوض مع شركتين، إحداهما بيوتك، والثانية أتحفظ عن ذكرها».
اعتماد اللامركزية في معالجة النفايات، وتعزيز دور البلديات، قد يكون أمراً جيّداً، إذا ما كان جزءاً من خطة وطنية لمواجهة الأزمة. ولكن، في غياب توجّه مركزي واضح لمعالجة النفايات، وإبقاء البلديات رهينة ديونها السابقة، تبقى كلّ الحلول المحلية محدودة الفعالية وبكلفة عالية.