مبدئياً، يكتسي مشروع تطوير الكورنيش البحري لمدينة بيروت، الذي أعلن عنه المجلس البلدي أخيراً، بعداً مهماً تلبية حاجة أهل العاصمة إلى مجال عام مفتوح. إلّا أن الملاحظات الأولية على المشروع تطرح شكوكاً مشروعة وتجعل من مسألة متابعة تنفيذه ضرورة. أبرز تلك الملاحظات أن المشروع المقترح يبقي على التعديات على الكورنيش ويقوم على ردم البحر وتدمير صخور شاطئ عين المريسة التاريخية.


تضع بلدية بيروت، بالتعاون مع «شركة رفيق الخوري للمقاولات» وشركة VDLA للاستشارات، مخططاً لتطوير كورنيش بيروت البحري (في منطقة المنارة)، وقد بدأت أخيراً إعداد دراسة لتقويم الأثر البيئي للمشروع، بما يوحي بنيّة جدّية للبدء في تنفيذه العام الجاري، فيما تُقدّر مدة التنفيذ بين 18 و24 شهراً.
حتى الآن، لم تُعرف الكلفة النهائية للمشروع، وفق المهندس الاستشاري فلاديمير دجورافيك، فيما يتركّز النقاش في أوساط المعنيين بالملك العام والمهتمّين بالحيز المديني على الكلفة البيئية لتطوير الكورنيش والمخاطر المرتقبة التي تتهدّد شاطئ عين المريسة ذا الأهمية الطبيعية الفائقة، وفق الخبراء المختصين.
المشروع يقضي بإزالة الحواجز الحديدية الفاصلة بين الكورنيش والبحر، وبتوسيع الفسحة المخصصة للمشاة على الكورنيش من خلال خلق مساحات اسمنتية ذات مستويات متدرجة، تبدأ من مستوى الطريق العام وتنتهي بمسافة ملاصقة لصخور الشاطئ، على أن يُعاد تشجير الكورنيش على أطرافه التي يحدّها الطريق العام.
إعداد دراسة الأثر البيئي أوكلت إلى المتعهد الملتزم في تضارب واضح للمصالح


الأربعاء الماضي، نظّمت بلدية بيروت لقاءً لأهالي العاصمة والمقيمين فيها وللمعنيين والمهتمين، عُرضت خلاله التصاميم الفنية للمشروع، ونوقشت آثاره البيئية. ووفق ما أظهرته صور التصاميم، فإنّ المشروع يكتسي بعداً مهماً لجهة خلقه مساحة إضافية من الحيز العام المديني الذي تفتقر إليه العاصمة، فضلاً عن تعزيزه العلاقة بين بحر المدينة وناسها عبر إزالة الحواجز وإرساء فكرة الحيّز المفتوح بعد سنوات من سياسة الإغلاق والتعديات والخصخصة في المدينة. إلّا أن ملاحظات أبدتها جهات معنية وخبراء في ملف المدينة والملك العام، تطرح كثيراً من التساؤلات التي توجب على بلدية بيروت أخذها في الحسبان.

لم يلحظ المشروع وضع حل جذري لمحطات الصرف الصحي التي تصب في البحر (هيثم الموسوي)

ولعلّ الملاحظة الأبرز، والأوضح، التي أبداها كل من «ائتلاف الشاطئ اللبناني» و«بيروت مدينتي» تتمثّل بتوكيل المتعهد الملتزم إنشاء المشروع (شركة رفيق خوري) مهمة إعداد دراسة الأثر البيئي، ما يمكن أن يؤثر على مسار المشروع بسبب تضارب المصالح التي يرسيها هذا التوكيل.

ماذا عن التعديات؟
أستاذة التخطيط المدني في الجامعة الأميركية في بيروت الناشطة في «بيروت مدينتي» منى فواز قالت لـ«الأخبار» إن تصاميم المشروع لم تأخذ في الحسبان التعديات على الكورنيش، وتعاملت مع المؤسسات المتعدية كالحمام العسكري وفندق «ريفييرا» ومسبح الجامعة الأميركية وغيرها من المؤسسات كأمر واقع، «وهذا يُثير تحفظات جدّية على المشروع ويستدعي توضيحات من رئيس البلدية جمال عيتاني الذي وعد سابقاً بإزالة التعديات وبمعالجة هذا الموضوع».

كما أن المشروع لم يلحظ «ضرورة معالجة مسألة محطات الصرف الصحي التي تصبّ مياهها المبتذلة على الشاطئ، وهذا ما لا يمكن إغفاله أثناء تنفيذ أي مشروع يتعلّق بتأهيل الشاطئ»، على حدّ تعبير الناشطة في «ائتلاف الشاطئ اللبناني» عبير سقسوق، لافتة إلى أن البلدية «وضعت في هذا الصدد حلولاً مؤقتة ولم تلحظ حلاً جذرياً».

توسيع على حساب البحر؟
ورغم أهمية «الاحتكاك» مع البحر التي يُتيحها الكورنيش الواسع المفتوح على البحر، إلّا أن آلية «التوسيع» تُثير تحفظات قد تجعل من المشروع مرفوضاً بالنسبة إلى كثيرين. وفق فوّاز، يقتضي التصميم توسيع الكورنيش من جهة البحر لا من جهة المدينة، ما يعني أن ردم البحر والشاطئ خيار شبه محتوم. فيما تشدد سقسوق على أهمية الصخور الطبيعية «التاريخية وذات القيمة الجيولوجية الكبيرة» التي يحويها شاطئ عين المريسة، والتي ستكون معرّضة للردم. ولفتت الى أن إشراك الخبراء والمعنيين في الملاحظات «كان يجب أن تتم في مرحلة التصميم وليس بعد الانتهاء منها والتحضير للتنفيذ».

دجورافيك أكّد لـ«الأخبار» أنه سيتم الأخذ بكل الملاحظات التي أبداها الناشطون خلال اللقاء أو عبر مراسلاتهم الخطية، معتبرا أن أهمية المشروع تتمثل بتوفير حيز عام يستقطب أهل العاصمة والمُقيمين فيها وزوارها.