مع الوقت، استحالت بيروت مدينة للوحدة. صحيح أن ضجيج ناسها لا يهدأ، إلا أن ذلك ليس دليلاً على أنها لا تزال مكاناً للتلاقي. منذ فترة طويلة، فقدت ذلك، بعدما صارت مجرّد مكانٍ للعيش لا أكثر. باتت مدينة «مخنوقة»: البحر مقفل، ولا أماكن عامة للقاء. سيطر الجشعون على كل ما هو عام فيها وحوّلوه إلى ملكٍ خاص.

الرتابة والعمل المضني يجعلاننا نتأقلم مع «الغيابات» الحاصلة، إلا أنه في لحظة ما، عندما تبدأ بالبحث عن مكانٍ «فيه ناس»، تكتشف كيف آلت مدينة موحشة، لا يلتقي فيها الناس ولا أماكن مشتركة بينهم فيها.

رمزي عليّة

مدينة «لا بنية تحتية اجتماعية» فيها، كما يقول المهندس رمزي عليّة.
المعماري الشاب الذي ترك المدينة مبكراً إلى نيويورك لإتمام دراسته والعمل، اكتشف خلال زياراته السنوية لأهله في بيروت اتّساع «الهوّة بين الفئات الاجتماعية المختلفة»، وتلاشي المساحات العامة والمشتركة التي كانت تسمح باحتكاك الناس ببعضهم بعضاً: لا حدائق عامة، لا أسواق، لا أرصفة. وفي المقابل، «مولات» كثيرة وحداثة فائضة عن حدّها. مع الوقت، أصبحت «العشرة أيام» التي يقضيها مع عائلته أشبه برحلة يرصد خلالها «كاراكتير» المدينة وما طرأ عليها من تغيرات أثناء غيابه. أكثر ما لفته في هذه «الرحلة» هو «كثرة بلوكات الباطون» التي يصفها بـ«إضافات» تستعين بها «السلطة للإستيلاء على الأملاك العامة المتبقية في المدينة». في كل مرة، يتم الاستيلاء على جزء من الأملاك العامة تجري الاستعانة بـ«البلوكات». صارت هذه أداة الاحتلال الرئيسية. حاول عليّة التفكير بطريقة تعيد صياغة استخدامات هذه «الأداة» كي لا تبقى مرتبطة بفكرة الإستيلاء، فكان مشروعه الأول الذي تبعته في ما بعد ثلاثة مشاريع أخرى، تهدف كلها الى تطويع «الواقع الذي فرضته السلطة». هكذا، استعان بلوح حديدي ألصقه إلى «بلوك» إسمنتي، في منطقة بشارة الخوري، ليصبح مقعداً يتيح للمتعبين الجلوس وأخذ قسط من الراحة. يتيح المقعد أكثر من الراحة، إذ يسمح في أحيانٍ أخرى بلقاء بين عابرين يمكّنهما القٌرب من تبادل الأحاديث. هنا، تكمن الحكاية: كيف تعيد صوغ العلاقات بين الطبقات المتباعدة في المجتمع؟
لم يرد عليّة مواجهة «السلطة المحتلة» بل تجميل «أدوات» الاحتلال!


«الدالية»، في الروشة، كانت آخر فسحة لقاء للناس مع البحر. لكن، جاء من استولى عليها بالأداة نفسها: البلوكات الباطونية العملاقة. عاد الشاب إلى هاجسه: كيف يمكن أن نعيد هذا البلوك للشعب؟ الأمر «مش بحاجة لأكتر من سلّم تطلع عليه الناس وتشوف البحر وتجتمع مع بعضها البعض». نفّذ فكرته عند ساعات الفجر الأولى قبل موعد انطلاق طائرته إلى نيويورك. مشروعه الثالث كان يتعلق بـ «الشقفة الوحيدة التي تربط الناس بالبحر»، بالقرب من فندق الريفييرا. ولكنها كانت «بحاجة إلى درج ينزلون عبره ليلامسوا الماء». وهكذا كان.

مقعد بشارة الخوري

آخر المشاريع التي جهّزها عليّة قبل سفره الأخير كانت «المنصّة» التي وضعها عند درج مار مخايل النهر. أراد أن يضفي على الدرج وظيفة إضافية غير تلك التي تحصره بـ«الأخذ» من منطقة إلى أخرى، فكانت المنصّة، أو المنبر بمعناه غير التقليدي. «ترتبط فكرة المنبر بالخطباء ومن يحملون عادة انتماءات سياسية، لذلك أردت أن يكون هناك منبر محايد للمواطن كي يعبّر عما يريده بغض النظر عن انتمائه».
أربعة مشاريع لا يزال في جعبة عليّة الكثير منها. الفكرة التي كان يفترض أن تكون «الخامسة»، تنطلق من «عفشيكية» التنظيم المدني وغابة المباني السكنية في بيروت. ولأنه لا يستطيع تغيير النمط السائد الذي صار أشبه بـ«بناء على بيروت، أكثر مما هو بناء في بيروت»، أراد عليّة أن يطوّع الواقع كما هو من خلال اللعب على «المساحات الميتة» التي تتفلت من التنظيم المدني، واستغلالها بشكلٍ يعيد الألفة إلى الأماكن المقتولة، كأن يجعلها مثلاً مكتبة عامة أو حديقة بمقاعد تتيح الاختلاط.
سلّم الدالية

بيروت لن تعود إلى ما كانت عليه. هذه حقيقة. ولكن، على الأقل، يمكن لمشروع بسيط أن يعيد صياغة «علاقتنا مع المحيط كما استولوا عليه» ومحاولة خلق تواصل بين الناس في هذا «الباركينغ» الكبير. هذا هو المبدأ في رأي عليّة. جلّ همه تجميل أداة الاحتلال بإضافات بسيطة، لا مواجهة «السلطة المحتلة». المفارقة أن هذا كله تحوّل، في لحظة، إلى تعدّ على الحيّز العام لعدم حصوله على الترخيص. المشهد سوريالي للغاية: مدينة مستباحة أملاكها العامة على عين الدولة والقوى الأمنية، تستنفر هذه الأخيرة فيها لمجرّد فكرة تجمّل للناس ما سلبهم إياه أصحاب السلطة. لا يحب المحتل أن يرى الناس إلا أكثر وجوهه بشاعة!