نشرت «الأخبار»، السبت الماضي، تحقيقاً بعنوان «فضيحة مناقصات وزارة الصحة: حاصباني يرفض تخفيض الأسعار»، أوردت فيه جدولاً يظهر فارق الأسعار بين سعر الدواء الذي تشتريه وزارة الدفاع، وذاك الذي تدفعه وزارة الصحة، من الوكيل نفسه وبالمواصفات نفسها. وأظهر الجدول وجود فارق يصل أحياناً إلى نحو خمسة أضعاف. ونقلت «الأخبار» عن وزير الدفاع يعقوب الصراف تأكيده أنه عرض ثلاث مرات في مجلس الوزراء شراء الأدوية لمصلحة وزارة الصحة نيابة عنها طالما أنه يشتريها بسعر أقل، إلا أن حاصباني رفض. بعد يومين على نشر المقال، وجه وزير العدل سليم جريصاتي كتاباً إلى النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي سمير حمود، طالباً منه إجراء التعقبات اللازمة «للتحقق من حصول هذا الهدر الكبير والخطير في المال العام وتحديد المسؤولين عنه، أو المساهمين بأي شكل من الأشكال فيه». فيما أصدرت وزارة الصحة، أول من أمس، بياناً اتهمت فيه «الأخبار» بتلفيق المعلومات واجتزائها، وأوردت فيه:

1- الصحيفة ادعت خطأ أو زوراً أن المقارنة بين السعر الصافي لقرص واحد من الدواء في وزارة الدفاع وقرص واحد من الدواء في وزارة الصحة، فيما في الحقيقة أن الصحيفة قارنت سعر المبيع للعموم المحدد لدى وزارة الصحة (public price) ــــ الذي يمثل سعر المبيع في أي صيدلية ــــ بسعر المناقصة السنوية لوزارة الدفاع.
2- سعر المبيع للعموم (public price) يخضع لآلية تنص عليها القوانين وتدخل ضمنه الجعالة المحددة للصيدلي والمستورد والتكاليف الجمركية، لكن سعر المناقصة يخضع لآليات مختلفة ولا تدخل ضمنه هذه التكاليف.
3- مقارنة سعر المبيع للعموم لقطعة واحدة مع سعر مناقصة تحوي كميات ضخمة لأي صنف، سواء كان دواء أو سيارة أو مادة غذائية هي مقارنة خاطئة كون سعر المفرق ليس كسعر الجملة.
4 - أسعار المناقصات تحدّد من قبل الشركة الأم في الخارج التي لديها هامش كبير من الحسومات وتتحكم فيها الكميات والمزاحمات (competition).
5 - المخوّل الاطلاع على أسعار شراء وزارة الصحة للأدوية هو ديوان المحاسبة، أما ما هو منشور على الموقع الإلكتروني للوزارة فهو سعر البيع للعموم.
6 - بعد مرور 10 سنوات على صدور مرسوم حمل الرقم 980 تاريخ 24/11/2007 بإنشاء لجنة للتنسيق والتعاون بين الهيئات الضامنة العامة وتنظيم عملها (وزارة الصحة العامة، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تعاونية موظفي الدولة، الجيش اللبناني وكل الأجهزة الأمنية والعسكرية)، لم تعقد اللجنة أي اجتماع إلا بعد وصول وزير الصحة غسان حاصباني إلى وزارة الصحة، حيث أعاد إحياءها. وبعد اجتماعات دورية عدة، انبثقت منها عدة لجان، من بينها لجنة لوضع أسس لشراء الأدوية وتغطيتها من الجهات الضامنة الرسمية، مهمتها استعراض جميع الآليات المفيدة في سبيل توحيد أسس شراء الدواء من قبل الجهات الضامنة الرسمية بغية خفض كلفته، إلا أن الأجهزة العسكرية والأمنية كافة لم تزود اللجنة حتى تاريخه بآليات عملها. وطرح الوزير خلال اجتماعات اللجنة فكرة التعاون بين الجهات كافة على شراء أدويتها وحصل التنسيق بين وزارة الصحة العامة وتعاونية موظفي الدولة. لم يدخل بها الجيش وقوى الأمن والسبب سرية المعلومات لديها. ونؤكد أننا على تعاون مستمر مع طبابة الجيش ونضع هذا الموضوع في عهدتها لاتخاذ التدابير والخطوات اللازمة حيال نشر معلومات سرية عنها غير متاحة للعلن وحتى لوزارة الصحة العامة، أو تنسب إليها من قبل «الأخبار»، وهي غير صحيحة. لذا نتمنى منها أن تجري تحقيقاً في كيفية تسريبها أو اختلاقها.
7- لا يمكن لجهة أن تجري استقصاء أسعار بالنيابة عن أخرى من دون عمل مشترك بين الجهتين. فلا يمكن لوزارة الدفاع أن تجري استدراج عروض نيابة عن الوزارات الأخرى خارج الآليات المتبعة أصولاً، وإلا فقد ينطبق ذلك على قطع الغيار والبنى التحتية والمواد الغذائية وغيرها. فمن الأجدى طرح هذا الموضوع ضمن لجنة التنسيق للجهات الضامنة.
8- يجب عدم زج عملية شراء الجيش للأدوية والتي تتضمن أسعاراً تشجيعية ومساعدات من الشركات والتي يحرص الجيش على سريتها، في أجندات بعضهم السياسية تحت شعارات شتى. إن استعمال معلومات مضلّلة يضرّ بالجيش وبآلية العمل في لجنة التنسيق بين الجهات الضامنة.
9- إن سلّمنا جدلاً بأن الأرقام المنشورة في «الأخبار» صحيحة، فإننا نؤكد أن وزارة الصحة تحصل على بعض هذه الأصناف لعام 2019 بأسعار أدنى بـ 50% مما هو مذكور، جراء التعاون مع المكاتب العلمية في الشركات. ونحن على استعداد لنشر الأرقام إن كان بإمكان الجيش أن ينشر أرقامه.
في الختام، إن التصويب المتكرر من قبل «الأخبار»، بعيداً من الأصول المهنية، على عمل وزارة الصحة لم يعد ينطلي على اللبنانيين لإدراكهم بوجود أجندة سياسية لهذه الوسيلة، لا تحترم حتى وجع المرضى. إننا وإذ نعلن أننا بصدد الادعاء قضائياً عليها، نؤكد الاستمرار بالخطوات العملية التي اتخذناها لتخفيض أسعار الأدوية في لبنان.

رد المحرر:
إن كاتبة التحقيق، الزميلة رلى إبراهيم، تواصلت مع وزير الصحة غسان حاصباني وأوردت أجوبته ضمن التحقيق المنشور. أضف إلى ذلك أنها، الخميس الماضي، اتصلت به للحصول على تفسيره لفارق الأسعار بين الوزارتين، فاستمهلها 24 ساعة للرد، وهو ما حصل، إذ أرجأت «الأخبار» نشر التحقيق من يوم الجمعة إلى يوم السبت، بهدف الحصول على أجوبة وزير الصحة وإفساح المجال له ليدلي برأيه. ويوم الجمعة الماضي، أعادت الزميلة الاتصال بحاصباني وسألته عن فارق الأسعار، فلم يأت أبداً على ذكر ما أورده في البيان أعلاه عن أن أسعار الأدوية التي تشتريها وزارة الصحة بمناقصة هو غير المعلن على موقعها الإلكتروني، أي سعر المبيع للعموم (public price) الذي يخضع لآلية تنص عليها القوانين وتدخل ضمنه «الجعالة المحددة للصيدلي والمستورد والتكاليف الجمركية»، علماً بأن أرباح المستورد والتكاليف الجمركية تدفعها أيضاً وزارة الدفاع وتحسب ضمن السعر المقدم في المناقصة. وإن سلمنا جدلاً بأن جعالة الصيادلة هي التي تؤدي إلى هذا الفارق، فتلك فضيحة أخرى تستلزم تحقيقاً ثانياً. فالجعالة (ربح الصيدلي) كما يحددها القانون، لا تتجاوز نسبة الـ 22٪ من سعر الدواء، إلا أن فارق أسعار الأدوية بين ما تعلنه وزارة الصحة وما تستورده وزارة الدفاع يصل في بعض الأدوية إلى نحو 500 في المئة! فمثلاً يزيد فارق سعر القرص الواحد من دواء Aripezil على 200 في المئة بين وزارة الدفاع (506 ليرات) ووزارة الصحة (1693 ليرة). ويصل فارق سعر قارورة دواء (irinotecan hydrochloride 100mg/5ml) لمعالجة سرطان الكولون والخلايا الرئوية إلى نحو 437 في المئة (سعره لدى وزارة الصحة 176 ألفاً و809 ليرات، فيما تحصل عليه وزارة الدفاع بـ 32 ألفاً و89 ليرة)... واللائحة تطول. ويقتضي عمل الوزير حاصباني أن يبرر للرأي العام سبب هذه الزيادة غير المنطقية. فالركون إلى نظرية العرض والطلب والفارق بين سعر «المفرّق» وسعر «الجملة» فيه تزوير للواقع، ويرتد على الوزير نفسه. والأسعار التي تضعها وزارة الصحة للعموم، ينبغي أن تأخذ في الاعتبار أن الأدوية التي تُباع في الصيدليات، يصل عدد مستهلكيها إلى أكثر من 5 ملايين شخص. بينما الدواء الذي تشتريه وزارة الدفاع، لا يتجاوز عدد مستهلكيه نصف مليون شخص، هم العسكريون (الحاليون والمتقاعدون) وعائلاتهم.
وإذ تتمنى «الأخبار» على حاصباني عدم إقحامها في مشاكله مع وزارة الدفاع ومحاولته تصفية حساباته معها عن طريقنا، فمن المستغرب إعلانه في بيان أمس أنه يرفض الكشف عن أسعار الأدوية التي تشتريها وزارة الصحة، إلا لديوان المحاسبة! هذا الإعلان، فضلاً عن كونه مخالفاً لقانون حق الوصول إلى المعلومات، يناقض مبدأ الشفافية في إنفاق المال العام الذي بنى حاصباني وحزبه خطابهما السياسي عليه منذ تأليف الحكومة الحالية، إضافة إلى مبدأ علانية الصفقات العمومية. والمثير للشفقة هو دعوته الجيش إلى التعامل مع أسعار الأدوية التي يشتريها كأسرار دولة، بينما واجب كل المؤسسات الرسمية هو الكشف عن كيفية إنفاق المال العام.
أخيراً، يهمنا أن نذكّر حاصباني، الذي يتهمنا بالكذب والجهل والاستكتاب الببغائي، أنه أجرى يوم الجمعة الماضي أكثر من اتصال بالزميلة إبراهيم، ليعدّل في أجوبته عن أسئلتها، متمنياً أن يتم الاتصال به للاستفسار عن أي قضية تخص الوزارة، قائلاً: «أنا بعرف منيح موضوعيتكم، وحرصكم على دقة التفاصيل وأن يكون المقال علمياً». ونأسف أن يكون تحريك النيابة العامة قد أغضب حاصباني فأخرجه عن طوره، فيما كان الأجدى به مواجهة المعلومات الموثقة بمعلومات موازية، وليس عبر الهجاء والشتم.
(الأخبار)