الوردانية: قرية يحدّها البحر من جانب، والجبال من جوانب، وأبو رضا من كل جانب.

الوردانية قرية على وشك ان تغير إسمها، ليغدو إسماً مركباً: الوردانية من دون أبو رضا.
كان الموت قاسياً هذه المرة. أخذ من القرية المسالمة رمزها وجزءاً من تاريخها، مُعَلِّمها وَمْعلَمَها.
هل نتخيل مدينة الشمس بعلبك من دون أعمدتها، أو بيت الدين من دون قصرها، أو راشيا من دون قلعتها؟ هذا هو حال الوردانية الآن من دون أبو رضا.
هل سمعتم عن رجل مات مراراً لكنه بقي حياً؟ في خمسينات القرن الماضي، وكان الجسد لا يزال رمحاً، فقد شقيقه بشير، ومعه فقد ساعده وقصم ظهره، لكنه بقي حياً.
وحين اختطف إمام التعايش والإنفتاح، فقد أبو رضا ملهمه وأمله بوطن بات يخشى عليه من الأيام القادمة. ما أبقاه حياً يقينه أن الإمام سيعود يوماً ليعود معه أبو رضا كما كان، منذ البدايات، ظلاً له وكاتماً لأسراره.
حين توفيت إبنته زينب، زهرة البيت وحديقته، فقد قلبه ورئتيه، ونور الصباح، لكنه بقي حياً.
موته الحقيقي إبتدأ مع وفاة إبنه رضا، حاضره، ومستقبله، روحه ووريثه: أمل الغد ورهان العمر. مع وفاة رضا إتسعت عند أبو رضا مساحات الحزن والسواد لتلتهم ما بقي من ضوء في عينيه. أضحى يتنقل بين موت وموت كفارس يمتطي جواده مثخناً بالجراح، يترنح لكنه لا يقع. رافق الموت، شاهده وهو يأخذ الأهل والأحبة، وكان موت القاضي سميح الحاج الجرح الأخير الذي لم يلتئم، ونزيفاً لم يتوقف حتى أيامه الأخيرة.
هذا رجل أرجئ موته منذ زمن بعيد. ما أبقاه حياً رغم كل الجراح التي تكدست بعضها فوق بعض إيمانه الثابت بأن الله يمتحنه وبأن كربلاءه ستمتد رديفاً لعمره الطويل.
لم يحمل يوماً شهادة عليا، لكنه حمل أصحاب الشهادات العليا على كتفيه. عاصر الرؤساء والقادة فكان واحداً منهم. عاصر العلماء ورجال الدين وكان واحداً منهم. عاصر البسطاء والمهمّشين وكان واحداً منهم.
كان رجل الأمس والحاضر، وسيبقى رمزاً للغد وما يليه. رافق أجيالاً واحتضن أجيالاً، لذا، أحزن كثيراً لجيل جديد لن يتسنى له أن يرافق أبو رضا عن قرب، لعل أبو رضا الآن يرسل رسالة لهذا الجيل، لكل صغير ويافع وشاب:
هو يعتذر إليكم، لأنه لن يتمكن هذه المرة أن يحمل جيلاً جديداً على كتفيه مثلما حمل الأجيال التي عبرت. إعذروا سنواته التي قاربت المئة، إعلموا أنه لم ينسحب، لكن الجسد بات ضعيفاً أثخنته الجراح، وهو من مشى نحو الموت بعد صراع طويل مع الحياة. لكن روح أبو رضا الدافئة ستبقى تحضن القرية وأبناءها من بعيد كما حضنتهم يوم كان بيننا.
من هناك، حيث إنتقل أبو رضا إلى عنوانه الجديد يرسل إليكم التحية والسلام.
الدكتور عصام الحاج
المدير السابق لكلية العمارة في الجامعة اللبنانية
* نعى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أول من أمس، عميده محمد رضا الحاج (أبو رضا)، أحد مؤسسي المجلس الى جانب الامام موسى الصدر.