بحسب المادة الأولى من قانون العمل اللبناني، فإن «ربّ العمل» هو «كل شخص طبيعي أو معنوي يستخدم بأي صفة كانت أجيراً ما في مشروع صناعي أو تجاري أو زراعي (...)». أما بحسب «العرف» اللبناني، فيحدث أن «يضيّع» العمال «رب العمل» ولا يعرفوا، لا هم ولا القانون، إليه سبيلاً!

هذه هي، بالضبط، حيثيات دعوى مرفوعة أمام مجلس العمل التحكيمي منذ عام 2014، ولم تجد طريقها إلى الحل بعد، لسبب «بسيط»، هو أنّ أحداً لا يعرف «رب العمل» الذي رُفعت الدعوى ضده!
القصة بدأت قبل سنوات في إحدى الحفريات العائدة لمشروع استثماري خاص في بيروت. بعد مباشرة الحفر، ظهرت مكتشفات أثرية، فأوقفت المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة العمل، على أن ترسل فريقاً من الأثريين للكشف على الحفرية ورفع تقرير عن قيمة المكتشفات. على أساس ذلك، استعانت الدولة اللبنانية بالمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، وهو هيئة علمية فرنسية، لتسمية خبير أثري... وهكذا كان. إذ سمّى المعهد خبيرة معتمدة كلفتها الدولة الإشراف على الحفرية وتشكيل فريق العمل وإدارته، على أن تتحمّل الشركة، صاحبة العقار، التكاليف. بعد فترة من العمل، صرفت الخبيرة العاملين تحت إشرافها، فرفع ستة منهم (صاروا أربعة في ما بعد) دعوى صرف أمام مجلس العمل التحكيمي عام 2014، ولم يُبتّ بها حتى الآن لعدم القدرة على حل «حزّورة» من هو «ربّ العمل» الذي شغّل هؤلاء: الدولة أم الشركة صاحبة العقار؛ الخبيرة الأثرية أم المعهد الفرنسي الذي سمّاها؟
المدّعون ادّعوا بداية، أمام مجلس العمل التحكيمي، على الشركة مالكة العقار، لكونها المكلّفة من الدولة تسديد تكاليف الحفر وأجور الفريق. بعد ذلك، طلبوا إدخال الدولة اللبنانية في الدعوى، لكونها هي التي كلفت الخبيرة التي شغّلتهم. لاحقاً، أُدخل في الدعوى المعهد الفرنسي للشرق الأدنى الذي سمى الخبيرة، ثم أُدخلت الخبيرة نفسها. مع ذلك، لم تصل الدعوى حتى الآن إلى جواب شافٍ حول من هو «رب العمل».
يعيد أحد المحامين المتابعين للملف سبب «الضياع» إلى سببين: أولهما أن الدعوى «سلكت مساراً قانونياً خاطئاً بسبب عدم دراية العاملين بالقوانين». وهذه ليست مشكلة العاملين، إذ يحدث أن يضيع العامل في من «يسوقه»، خصوصاً في ظل هذه «الخلطة». وثانيهما آلية التعاقد في الدولة، وتحديداً في المديرية العامة للآثار وتعاطيها مع المكتشفات الأثرية وآلية تكليف الخبراء الأثريين. وفي هذا الإطار، هناك نوعان من التعاقد مع الدولة: إما أن يكون الأجير موظفاً يتقاضى راتبه مباشرة، أو متعاقداً بموجب عقد جماعي خاضع للوساطة والتحكيم. لكن، في الدعوى - «الحزّورة»، لا هذه ولا تلك. ما فعلته الدولة هنا أنها استنجدت بـ«طرف ثالث»، أي «شي قريب من مشاريع الخصخصة». وهنا، تعتبر الدولة نفسها في حل من أي التزام مع الأجراء «المتروكين لمن كلفتهم الدولة القيام بأعمالها»، من دون أن تلزمهم الوفاء بالتزاماتها!