حجراً، حجراً. ثمّ سقط ما بقي من السور الروماني الذي يقع ضمن العقار 740 في منطقة الباشورة. فكّكته شركة «عاليه»، مالكة العقار والشركة المتعهّدة لمشروع تجاريّ سينبتُ في قلب المدينة. فعلَت ذلك بـ«قلب قوي»، مستندةً إلى قرارات وزير الثقافة التي منحتها «شرعية» جرف حقبة زمنية عاشتها بيروت. هكذا، ببساطة، أُزيل السور، وزال معه جزء آخر من أرشيف المدينة التاريخي. أعمال الحفر لإقامة المشروع التجاري لا تزال في بدايتها، فمن أصل 14500 متر مربع - مساحة العقار - لم يُحفر أكثر من خمسة آلاف متر مربّع. فُكّك السور قبل الانتهاء من كامل الحفرية، ما يستدعي السؤال عن سبب تلك العجلة.

استحال السور «كومة أحجار»، ستصبح لاحقاً جزءاً من ديكور مشروع الشركة التجاري، على شاكلة آثار أخرى جُعلت ديكورات بعد دمجها في مشاريع خاصّة، وصارت مع الوقت، بعد «تهجينها»، «مُلكاً» لأصحاب العقارات. «عاليه» ليست الشركة الأولى التي تفعل ذلك. سبقها الكثير، وعلى الأرجح سيأتي بعدها الكثير. مشروع «سوليدير» بُني أصلاً على أنقاض مدنٍ أثرية، ومشروع الصيفي كذلك، وغيرهما من المشاريع التي «فرطعت» جرّافاتها تاريخ المدينة الأثريّ. قد تكون هذه مشكلة. لكن المشكلة الأكبر هي في الحماية التي تؤمّنها قرارات وزارة الثقافة، والتي تأتي في الغالب من «مكتب» الوزير، بغضّ النظر عن رأي المديرية العامة للآثار وما ينصّ عليه القانون. والمشكلة الأعظم من ذلك، هي تغاضي الوزير عن قرار صادر، بالإجماع، عن مجلس شورى الدولة يوقف قرارين لوزير الثقافة غطاس خوري يسمحان لشركة «عاليه» بتفكيك الآثار المُكتشَفة، من دون احترام الأصول القانونية.

برّر خوري عدم التزامه وقف الأشغال بأنّ قرار «الشورى» وصل إليه «بالتواتر»(مروان طحطح)

وكان خوري اتّخذ قراراً حمل الرقم 995، سمح بموجبه لشركة «عاليه» بتفكيك الآثار المكتشَفة في العقار 740، حيث يقع الجزء الأخير من السور الروماني. حدث ذلك في الثاني من آذار الماضي، بعد 24 ساعة فقط من تقديم الشركة كتاباً إلى الوزير تطلب فيه الإذن بالتفكيك. هنا، أيضاً، يصحّ التساؤل عن سبب هذه العجلة! وأُتبع هذا القرار بآخر حمل الرقم 1488 (29/03/2018 ردّاً على كتاب آخر موجّه من الشركة) أوعز للشركة بالمباشرة بالأعمال. وبهذين القرارين، سمح الوزير للشركة بالفكّ والدمج، ولنفسه بتخطّي القانون ومخالفته، وتحديداً مواد المرسومين 3057 و3058 اللذين ينظّمان «آلية التدخلات الميدانية الأثرية التي تقوم بها المديرية العامة للآثار في مجال الحفريات الوقائية والإنقاذية»، و«دمج وإعادة دمج الآثار غير المنقولة في الأبنية والمنشآت المدنية الخاصة والعامة».
في حرفيتهما، كما في روحيتهما، يضع هذان المرسومان أسساً واضحة للفكّ والدمج، على أن يسبق كل ذلك إعداد تقارير علمية معلّلة وموثّقة «من قِبل الأثري المسؤول أو المدير العلمي يبيّن ماهية المكتشفات وأهميتها والحقبة التاريخية التي تعود إليها» (الفقرة الأولى من المادة 17 من المرسوم 3058). واستناداً إلى تلك التقارير «يعود للمدير العام للآثار تقرير مصير هذه المكتشفات (…) ولا يمكن تفكيك أيّ من هذه المكتشفات الأثرية غير المنقولة في الموقع، إلّا بقرار مُسبق من المدير العام للآثار» (الفقرة الثانية). وفي حال تمتّعت المكتشفات الأثرية غير المنقولة بأهمّية كبيرة «يعود قرار مصيرها إلى وزير الثقافة بناء على اقتراح المدير العام للآثار» (الفقرة الثالثة من المادة نفسها).

(مروان طحطح)

هذا ما تنصّ عليه المواد القانونية. لكنّ الوزير ضرب بعرض الحائط ذلك كلّه. إذ لم يُصدر قراريه استناداً إلى اقتراح مدير عام الآثار كما تشترط المادة السابقة. والأمر الأفدح أن «المديرية كانت قد أصدرت أواخر العام الماضي تقريراً يرفض فك أو دمج أيّ من المكتشفات الأثرية في العقار 740»، بحسب ما تؤكّد المحامية المتابعة للملف فداء عبد الفتاح. ومن جهة أخرى، أصدر الوزير القرارين «استناداً للكتابين المرفوعين من الشركة مباشرة إليه وليس إلى المدير العام كما تنصّ عليه المادتان الثالثة والسابعة عشرة من المرسوم رقم 3058 الصادر عام 2016».
وهذا يعني «اغتصاباً للسلطة وسوء استعمال لها. ما فعله الوزير هو تعدٍّ، بالشكل والمضمون، على ما ينصّ عليه القانون، وتخطٍّ لصلاحياته وتعدٍّ على صلاحيات المديرية العامة»، كما يقول ممثل جمعية «التجمّع للحفاظ على التراث اللبناني» رجا نجيم. فوزير الثقافة هو وزير وصاية، وثمّة مديرية للآثار هي التي تقرّر مصير المكتشفات الأثرية، و«ما على الوزير سوى البلاغ استناداً لرأي المديرية والتقرير العلمي الصادر عنها»، يقول نجيم. وهذا يعني أنه «حتى لو كان الوزير هو رأس السلطة، فإن ثمة قانوناً عليه احترامه وحدوداً للصلاحيات عليه عدم تجاوزها». فالوزارة «مجرّد بوست»، أما «الاختصاص فلأهله».

(مروان طحطح)

هذا في المقام الأول. وثمة مقام آخر يتعلّق بـ«تتفيه» القرار الإعدادي الصادر عن مجلس شورى الدولة في 27 تشرين الثاني الماضي، في ما خصّ المراجعة القانونية المفصلة التي تقدّمت بها جمعية «التجمع للحفاظ على التراث اللبناني»، مصحوبة بتدخّل من النائب جميل السيد. وقد قضى هذا القرار بقبول المراجعة ووقف قراري الوزير لمخالفتها الأصول والمعاملات الجوهرية المنصوص عليهما في القوانين والأنظمة (المرسومان 3057 و3058).
تؤكّد عبد الفتاح أن «هيئة القضايا تبلّغت قرار مجلس الشورى وأبلغت وزارة الثقافة به في الحادي عشر من الشهر الجاري». لكن رغم ذلك، لا يزال الوضع على ما هو عليه. لم تتوقف الورشة في العقار 740، ولم يبادر الوزير إلى وقف الأعمال. وفي آخر إطلالاته الإعلامية، أعلن أن الوزارة لم تتبلغ القرار وأنه وصله «بالتواتر»(!) محمِّلاً المسؤولية للإجراءات الإدارية البيروقراطية.
أكّدت هيئة القضايا أنّها أبلغت وزارة الثقافة بقرار «الشورى» في 11 الجاري

لكن، ما الذي يمنع الوزير من الالتزام بالقرار، حتى ولو وصل إليه بالتواتر، طالما أنه حاصل، إنقاذاً لما يمكن إنقاذه مما تبقّى من السور؟ هنا، يصحّ التساؤل عن سبب هذا التباطؤ!
يأسف محامي الجهة المستدعية، فؤاد الحاج، لعدم التزام الوزارة بالقرار. وهذا يفتح الحديث عن الوزارات التي تتصرف على قاعدة أنها «فوق أي محاسبة، رغم وجود قرار قضائي ملزم». لم يتصرف وزير الثقافة، بغضّ النظر عن اسمه، على قاعدة أن ثمة قانوناً عليه احترامه. بقي على انتظاره، وهو ما تضعه الجهة المستدعية في خانة «سوء النية» و«الاستهتار» بـ«الإرث الوطني الذي لا يقدّر بثمن والذي يتصرف حياله الوزير المعني بلا مبالاة». وهذه مخالفة إضافية تُضاف إلى الأولى التي سمح فيها الوزير لنفسه «بالمخالفة الصريحة للقانون»، يقول الحاج.