في زحمة الحديث عن «الإكتشاف الهائل» المتعلّق بـ«حشو» مؤسسات الدولة بخمسة آلاف «موظّف»، خارج الأطر القانونية، خرجت مذكّرة من مكتب وزير الصحة العامة، غسان حاصباني، «تمدّد» عمل «جميع المراقبين الصحيين المختصين العاملين في وزارة الصحة العامة، الذين انتهت مدة عملهم، لحين البت بمسألة عقودهم».

كان يمكن أن تمرّ مذكّرة كهذه مروراً عابراً. ولكن أصل حكاية دخول هؤلاء إلى وزارة الصحة العامة كان لأداء وظيفة محدّدة، ولفترة محددة أيضاً. وهذا ما يدفع إلى طرح السؤال عن سبب توجّه الوزير إلى التمديد بدلاً من إنهاء العقود؟
عودة إلى الأصل. إلى قرار مجلس الوزراء رقم 160 الصادر في 20 تشرين الأول 2016، في «عهد» وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور. يومها، وافقت الحكومة على «شراء خدمات» 75 شخصاً، بناء على اقتراح وزيري الصحة والمالية. حدث ذلك أيام حملة «غير مطابق للمواصفات» الشهيرة، وتمت الإستعانة بهؤلاء عبر وزارة الصحة العامة من أجل برنامج «سلامة الغذاء». وتضمّن قرار الحكومة، يومها، «نقل اعتماد بقيمة مليار و620 مليون ليرة لبنانية من احتياطي الموازنة العامة على أساس القاعدة الاثني عشرية، لتأمين بدلات أتعابهم لمدة سنة».
استناداً لهذا القرار، كان يفترض أن تنتهي عقود هؤلاء أواخر تشرين الأول الماضي. غير أن الوزير طلب منهم متابعة أعمالهم «لحين البت بعقودهم»، وانطلاقاً من «الحاجة الماسة إليهم خصوصاً أنهم بيشيلوا شغل»، على ما تؤكد مصادر وزارة الصحة.

أصل دخول هؤلاء إلى وزارة الصحة كان لأداء وظيفة محدّدة ولفترة محددة


ربما، اتخذ الوزير القرار الذي يحفظ ماء وجهه قبل مغادرته الوزارة «الخدماتية»، رامياً الحجّة على مجلس الوزراء في أمر «البت بمصير عقودهم». لكن ما فعله هو المشاركة في تمديد المخالفة التي ارتكبها سلفه. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يطول الحديث عن «الحشو» الذي يصدر بمراسيم وقرارات وتعاميم، ويخلق جيشاً رديفاً من «الموظفين» الداخلين إلى الوزارات والمؤسسات العامة، تحت مسميات مختلفة. هنا، في متن القرار 160، رُصد مليار و620 مليون ليرة لـ«شراء خدمات» مراقبين صحيين من خارج الملاك، علماً أن في الملاك مراقبين، «لا يُستعان ببعضهم». وهذا ما يقوله من لا يستعان بهم. لا يهم. المهم أن تشتري الدولة خدمات على قاعدة «التنفيعة»، حتى ولو زاد الثقل على موازنتها التي تعاني من العجز أصلاً. وبالطبع، يمكن تخيّل الـ«كوتا» التي وُزّع وفقها هؤلاء المراقبون على القوى السياسية. وهذا، ليس حصراً بوزارة الصحة. فما اسمه «شراء خدمات» هنا، يُسمّى في وزارة أخرى «مياومون»، وفي وزارة ثالثة «مستعان بهم»، ولهم في أماكن أخرى تسميات متعددة!