عاد مجلس شورى الدولة ليبعث الأمل بالقضاء. إذ قبل، بالشكل والمضمون، مراجعة قانونية تقدمت بها جمعية «التجمع للحفاظ على التراث اللبناني» لوقف تفكيك السور الروماني في العقار 740 / الباشورة. وكان المجلس، في قرار سابق، أسقط «الصفة» و«المصلحة» عن المحامية فداء عبد الفتاح، في شكوى تقدّمت بها أمامه في القضية نفسها.

المجلس قرر بالاجماع، أواخر الشهر الماضي، التصديق على مطالب الجمعية بوقف قرارين لوزير الثقافة غطاس خوري سمح بموجبهما لشركة «عاليه» بـ«إجراء تفكيك الآثار المكتشفة وبالإيجاز للشركة المذكورة بالمباشرة بالأعمال»، من دون احترام الأصول القانونية، وتحديداً مضموني المرسومين 3057 (تنظيم آلية التدخلات الميدانية الأثرية التي تقوم بها المديرية العامة للآثار في مجال الحفريات الوقائية والإنقاذية) و3058 (دمج واعادة دمج الاثار غير المنقولة في الأبنية والمنشآت المدنية الخاصّة والعامّة).
عاد «الشورى» عن «خطيئته»، بقبول مراجعة الجمعية أولاً، وبتكليف «المستدعى ضدّها تقديم جوابها على المراجعة وإيداع المجلس الملف الإداري العائد للمراجعة كاملاً، خلال مهلة شهر من تاريخ التبليغ». بهذه الخلاصة، أنقذ الشورى هيبة القضاء، التي كان هو نفسه قد كسرها في قراره السابق، مفسحاً المجال أمام من يستطيع للحفاظ على ما تبقى من هوية بيروت الأثرية… بقوة القانون.
وفي حالة الجهة المستدعية (جمعية «التجمع للحفاظ على التراث اللبناني»)، فقد كانت للمراجعة التي تقدمت بها أسباب محمية بالقانون ومدعّمة بالدلائل. إذ أبرزت، بما لا يقبل الشك، مخالفة قراري الوزير 995 و1488 للمعاملات الجوهرية المنصوص عليها في القوانين والأنظمة.
وبيّنت أن القرارين المطعون بهما خالفا جملة مواد قانونية واردة في المرسومين 3057 و3058. ومنها، مثلاً، مضمون المادة الثالثة من المرسوم 3058 حينما أجاز لشركة «عاليه» مباشرة العمل بناء على التقرير المرفوع مباشرة من الشركة، من دون الرجوع لاقتراح المدير العام للآثار ومضمون التقرير المفصل الذي يفترض أن يعدّه المدير العلمي للحفرية. مخالفات بالجملة ارتكبها الوزير، وهو هنا يمثل الدولة اللبنانية، مستنداً الى اجتهادات من حوله، من دون احترام مراسيم موجودة أصلاً لهذه الغاية.
ربما، تكون «عاليه» قد شوّهت الكثير من أحجار السور الروماني. ولكن «الشورى»، بقراره هذا، فتح الطريق أمام معركة الحفاظ على التراث التي تخوضها الجمعية في وجه شركة استثمارية لا تبغي سوى الربح، وللمرة الأولى تحت إطار مواد المرسومين الصادرين العام 2016.