بعد 70 عاماً على إقرار الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، بات لزاماً إعادة النظر في هذه الشرعة التي فرضتها ظروف معينة وتاريخ من الجهل والتعقيد النفسي. فهي بدت، حينها، متقدمة نسبةً إلى إلكوارث والارتكابات التي حصلت في العالم، على قاعدة الاستقواء والاستحواذ والتحكم والاحتكار والاستئثار والاستنزاف... لكن، سرعان ما تبين أن كل مظاهر التقدم في هذه الشرعة، ليست إلا تثبيتاً لأفكار وقيم لم تكن كافية لإنقاذ الجنس البشري وتحقيق السلام والاستقرار والعدالة.

يُفترض إعادة النظر في هذه الشرعة، لا لأنها لم تُطبّق أو لم تُحترم على نطاق واسع فحسب، بل لأنها لم تكن كافية ولا عادلة بالمطلق. فهي، في جوهرها، تمحورت حول الإنسان باعتباره محور الكون وصاحب القيمة العليا، في كرامته ومتطلباته للبقاء، من دون تحديد ومن دون ضوابط. وقد صدّقت على اعتباره «السيد»، المطلق الحقوق والصلاحيات في استباحة بقية الكائنات وإخضاعها حتى الاستنزاف، تحت سقف ضيق جداً يقول بحفظ حقوق الغير أيضاً. ولكن، ليس كل «غير» أو «آخر»، وإنما فقط من يشبهوننا لناحية الوظيفة (مع تجاوز شكلي للعرق واللون والطبقة) ونتقاسم معهم الحق في الاستفادة من الموارد المتاحة. فيما لم تتطرّق هذه الشرعة إلى حقوق بقية الكائنات غير الإنسانية التي نتشارك معها في شبكة الحياة نفسها، ولا حفظت حقوق الإنسان في الأجيال المقبلة!
فعن أي حقوق إنسانية تتحدث الشرعة، وهي لا تحترم حقوق بقية الكائنات التي نتقاسم معها العيش في أنظمة إيكولوجية متشابكة ومتكاملة، مع علمنا أن أي خلل يصيب أحد أعضائها، يمكن أن يسبّب تدميرها كلها بأنواعها كافة، وبينها النوع الإنساني!؟
وماذا عن حفظ حقوق الأجيال المقبلة ونحن نتصرف كأننا الجيل الأخير على هذا الكوكب؟
وضمن أي مبادئ حقوقية وقواعد ديمقراطية نسمح لأنفسنا، على سبيل المثال، بالحفر لسحب الطاقة الأحفورية التي تشكلت خلال ملايين السنين واستهلاكها في مئة سنة، وعدم حفظ حقوق الأجيال المقبلة، مع علمنا بأن هذه الموارد غير متجددة وناضبة حتماً؟ وضمن أي قواعد ديمقراطية يوافق البرلمان اللبناني (وأي برلمان) على قانون النفط وعلى تقسيم البلوكات وإنشاء السدود السطحية وحبس المياه ووقف جريانها الطبيعي والتلاعب بالأنظمة الإيكولوجية وتدمير الغابات والتنوع البيولوجي وتغيير معالم الطبيعة وتلويث كل مقومات الحياة من تربة وماء وهواء... والمطالبة بالإسراع في استخراج النفط والغاز لإطفاء الديون...؟ وأي ديون نحمّل الأجيال المقبلة بسبب جشعنا وفسادنا وسوء إدارتنا للموارد والاقتصاد وحياتنا العامة؟ عن أي قواعد ديمقراطية نتحدث فيما نتخذ قرارات ديكتاتورية اليوم تضرّ بمصالح الأجيال المقبلة وحقوقها بالوصول إلى موارد يفترض أن تبقى مستدامة وسليمة كما هي في طبيعتها؟ ومن سمح للمجتمع المدني بأن يتحكم بحقوق المجتمع الحيوي (الذي يضم أنواعاً أخرى غير النوع البشري)؟ وبأي منطق استقوائي واستنسابي يتوقف مطلب المساواة عند الجنسين ولا ينسحب على بقية الأنواع؟
وإذا كانت المشاكل العالمية الكبرى، مثل تغير المناخ، قد أصبحت عابرة للحدود، وإذا كانت الأمراض والأوبئة الجديدة مثل بعض أنواع الأنفلونزا (الخنازير والطيور...) قد أصبحت عابرة للنوع والحدود أيضاً، فبتنا نشترك في الحياة والأمراض والمصير مع بقية الكائنات… ألا يفترض أن نعيد النظر بمنظوماتنا الأخلاقية والقيمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية، لتستوعب كل هذه التطورات، وأن نعيد النظر في شرعة حقوق هذا الإنسان الذي تُرك وحده يواجه مصيراً بات يهدّده هو نفسه بالانقراض؟
في الخلاصة، ولمناسبة الذكرى الـ 70 للإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان، وانعقاد اللقاء الذي تنظمه الحركة الثقافية في أنطلياس اليوم تحت عنوان «حقنا»، نقترح، كإجراء عملي، إضافة معطيين أساسيين على شرعة حقوق الإنسان، هما باختصار، الأخذ بالاعتبار حياة بقية الكائنات التي نتشارك معها في العيش في شبكة الحياة نفسها وفي وحدة المصير، لحفظ ديمومتها وسلامتها أولاً، وحفظ حقوق الأجيال المقبلة التي يتمتع إنسانها بالحقوق نفسها للإنسان الحالي، وترجمة ذلك في القوانين والاتفاقيات الدولية والدساتير والقوانين والسياسات الوطنية... مع العلم، أن معيار عدالة أي شرعة وأي قانون وأي حق، هو في مدى تحقيقه أعظم وأشمل خير في حال تطبيقه فعلاً بشكل كامل وشامل.