في آب 2016، نظّمت بلدية بيروت لقاءً مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة لينين فولتير مورينو غارسيس، أكّد خلاله رئيسها جمال عيتاني أن «بيروت ستكون مدينة صديقة لذوي الاحتياجات الخاصة بحلول 2022». ليست بيروت إلى اليوم مدينة صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة: لا مبانٍ وفق معايير دمجهم، ولا أماكن متاحة لهم على قاعدة المساواة. وعلى العاصمة، يمكن قياس الوضع في باقي المناطق، خصوصاً تلك النائية حيث تنعدم الخدمات أصلاً.

رغم مرور سنوات على صدور مرسوم التجهيز الهندسي للأماكن ذات الاستخدام العام الذي يعود لعام 2011، وبروتوكول التعاون للبيئة المبنيّة الدامجة بين اتحاد المقعدين اللبنانيين ونقابة المهندسين، وتعميم نقابة المهندسين في هذا الصدد... لم يختلف الوضع كثيراً في تطبيق شروط البناء في لبنان لتكون المباني صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة.
بعد كلّ تلك السنوات، تكشف رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوّقين حركياً سيلفانا اللقيس أن «مكاتب التدقيق الفنيّة في رخص البناء التابعة للتنظيم المدني تقول للمتقدّمين بالرخص إن شروط المرسوم الخاصة لتجهيز الأماكن لتكون دامجة للأشخاص ذوي الإعاقة غير ملزمة»! لذلك فإنّه، وفي حالات المتابعة فقط، «يمكننا إيقاف المخالفين في حال تقدمنا بشكوى لدى المديريّة العامة للتنظيم المدني كما ينصّ المرسوم». لكنّ ذلك، أيضاً، دونه عقبة أخرى وفق اللقيس وهي «عدم القدرة على الوصول إلى المعلومات لتبيان من هم المخالفون». لذا، فإن نقابة المهندسين مُطالبة بـ«تعيين موظّف على علم بالمعايير الهندسيّة الدامجة تكون وظيفته التدقيق في مدى التزام المشاريع التي ترفع إلى النقابة بتلك المعايير».
وتفرض هذه المعايير أن تكون الأماكن العامة متاحة لجميع الناس بمساواة ومن دون تمييز أو عوائق، منطلقة من مبادئ عامة هي: إمكانية الوصول، الاستخدام، المشاركة، السلامة العامة والأمان. وهي تعني، وفق اللقيس، «أن تكون الأماكن مجهّزة لجميع الناس، أي أن لا يضطر أحد إلى حمل شخص مُقعد لعبور السلالم، وأن تكون المؤسسات مجهّزة بأنظمة تواصل فيها بدائل يمكن استخدامها من قبل الضرير مثلاً». لكنّ الواقع مختلف تماماً، حتى في مدينة بيروت، «ففي مشاريع سوليدير لإعادة الإعمار طبّقوا بعض تلك المعايير في الفترة الأولى، لكنّها كانت مشوبة بأخطاء كثيرة». أما فنادق العاصمة «فثمة فنادق معدودة استهدفناها وطبّقت تلك المعايير، غير ذلك ليس كل المطاعم متاح لنا دخولها». هذا جزء صغير من الصورة العامة التي تنبذ كلّ مختلف.

تجهيز المدارس لاستقبال أصحاب الاحتياجات الخاصة لا يكلّف الوزارة سوى 0.8% من ميزانيّتها


تذكّر اللقيس بما حدث خلال الانتخابات النيابيّة الأخيرة وبمطالبتها «رئيس الحكومة سعد الحريري بفتح اعتماد خاص وتغذيته سنوياً لدى إقرار الموازنة العامة لتجهيز مراكز الاقتراع وفقاً لمتطلبات دمج الأشخاص ذوي الإعاقة، علماً بأن الموازنة العامة في الأساس لا تحوي بنداً متعلقاً بالتجهيز الدامج». غياب التجهيزات عن مراكز الاقتراع يعني غيابها عن المدارس وخصوصاً الرسميّة، وهذا يعني «أن المدرسة أيضاً غير مجهّزة لاستقبال ذوي الاحتياجات».
ووفق دراسة سابقة أعدّها الباحث كمال حمدان، فإنّ تجهيز المدارس لاستقبال التلامذة من أصحاب الاحتياجات الخاصة «لا يكلّف وزارة التربية والتعليم العالي سوى 0.8 في المئة من ميزانيّتها». انطلاقاً من المدارس، يمكن العبور إلى أمثلة عديدة لا تتوافر فيها شروط دمج ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي بالتالي مراكز ومؤسسات بمبانٍ غير صديقة لهم، ومنها تلك التي يزورونها بشكل متواتر مثل: مباني الوزارات وخصوصاً الشؤون الاجتماعية والتربية والعمل والمال، إضافة إلى مراكز البريد (شركة ليبان بوست) ودوائر النفوس. «كلّها غير مجهزة ولا أرقام لدينا دقيقة في هذا المجال» تقول اللقيس. وفضلاً عن عدم تطبيق الكوتا الخاصة بتوظيفهم، فإن ذوي الاحتياجات يعانون داخل المؤسسات «التي لا توفّر شروط استقبالهم للعمل مثل البرامج الإلكترونية الخاصة وما عداها من الشروط الهندسيّة».
المسألة برمّتها لا تقف عند «باركينغ خاص بالمقعدين» يركن فيه عادة باقي المواطنين سياراتهم. بل تنسحب على «العذاب» في تخليص المعاملات وتجهيز السيارات والتعليم الدامج. كلّ مكان عام يزورونه في هذا البلد يذكّرهم بأنّهم في بيئة غير صديقة لكلّ مواطنيها.



عالوعد يا «كمّون»
في اللقاء الذي نظمته بلدية بيروت مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة لينين فولتير مورينو غارسيس، في 24 آب 2016، أكّد رئيس بلديتها جمال عيتاني أن العاصمة ستكون «مدينة صديقة لذوي الاحتياجات الخاصة في إطار برنامج بيروت 2022 الذي سيطلقه المجلس البلدي». وشدّد على «أننا سنعمل على تحقيق هذا الهدف عبر:
أولاً، دعم الجمعيات المتخصصة والفاعلة ومتابعة ما تحققه في هذا المجال.
ثانياً، حملات توعية تنظمها بلدية بيروت أو تشارك فيها لفتح باب التوظيف في القطاع الخاص وتأمين سهولة التنقل في النقل الخاص أو على الأرصفة والطرق.
ثالثاً، منح أولوية في التوظيف داخل دوائر البلدية لذوي الاحتياجات الخاصة، وخصوصاً متى توافرت لديهم الشروط المطلوبة، وتسهيل وسائل ممارستهم لوظائفهم.
رابعاً، إعادة دراسة الشروط المنوطة بالأبنية والطرق وتطويرها بما يتناسب مع تسهيل إمكانية الوصول لذوي الاحتياجات الخاصة، الأمر الذي يساعد على اندماجهم في المجتمع.
خامساً، الاستفادة من الخبرات الدولية وتوظيفها في إطار برنامج «بيروت مدينة صديقة لذوي الاحتياجات الخاصة»، على أمل أن تعمم التجربة، لاحقاً، على مختلف المدن اللبنانية.
سادساً، الانفتاح على مختلف الأفكار والاقتراحات والمشاريع التي يقدمها أفراد أو جمعيات أو منظمات، محلية أو دولية، والاستعداد لتبنيها.
الجدير بالذكر أنه منذ ذاك، لم تعلن بلدية بيروت عن تحقيق أي تقدم في أي من البنود الواردة أعلاه!