بين 25 ألف مريض ومصالح شركات الأدوية، يعتمد وزير الصحة غسان حاصباني سياسة «النأي بالنفس»! أزمة انقطاع أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة في مركز توزيع الأدوية في الكرنتينا ليست مستجدّة، لكنها، بالتأكيد، «غير مسبوقة» بسبب إهمال الوزير (أو تردّده إذا أحسنّا الظن)، في اتخاذ الاجراءات اللازمة لتفاديها. كان مفترضاً بحاصباني، مطلع أيلول الماضي، التحرك من أجل تأمين الأدوية للفصل الأخير من عام 2018، بصرف النظر عن مسألة توافر الاعتمادات. إذ أن «حقّ» الشركات المحتكرة للسوق لن يضيع متى ما تسلّم عروضها وفاوضها على الأسعار ووقع لها أذونات التسليم. بذريعة «نفاد» الاعتمادات لم يفعل وزير الصحّة ذلك، ما أدى الى انقطاع الجزء الأكبر من الأدوية من مخازن الكرنتينا. أمس، فقط، وبعد إعلان لجنة المال والموازنة موافقتها على اقتراح القانون المعجّل المُكرّر بتأمين 75 مليار ليرة لسدّ العجز في موازنة، وإدراجه على جدول أعمال الجلسة التشريعية المقبلة، تحرّك وزير الصحة والتقى أصحاب شركات الأدوية للاتفاق على إعادة «ضخّ» الأدوية في المركز.

رغم الأجواء الايجابية التي تشيعها الوزارة عن قرب حلّ الأزمة، تؤكد مصادر أصحاب الشركات أن الوزير لم يوقّع عروضاتهم بما يحفظ حقوقهم في حال تغيير الحكومة الحالية. وهو وعدهم أمس بحل تشريعي لأزمة الاموال المستحقة لهم في غضون أسبوعين. لكن ربط تسليم الأدوية بانعقاد جلسة تشريعية لإقرار الاعتمادات المالية، قد يؤخر الأمر شهراً على الأقل (لن تُعقد جلسة تشريعية إلا في تشرين الثاني في حال لم تؤلَّف حكومة جديدة، وبعد نيل الحكومة الثقة في حال تأليفها). وهذا يعني أن عدم توقيع «أذونات التسليم» قبل تأليف حكومة جديدة، سيُبقي المرضى تحت رحمة غياب الأدوية لأسابيع إضافية. فهل يحل حاصباني الأزمة التي تسبب بها بإهماله وسوء إدارته وعدم سعيه إلى وضع سياسة دوائية فعالة، أم يترك كرة النار هذه، عمداً، للوزير الذي سيخلفه؟

الأزمة باقية... وستتكرّر!


منذ فترة، يعاني مركز توزيع الأدوية في الكرنتينا التابع لوزارة الصحة من انقطاع في عدد كبير من الأدوية، تشمل أدوية السرطان والأمراض المستعصية وبعض الأمراض المُزمنة. يؤمّن المركز نحو 500 نوع من الأدوية. ووفق مصادر في «الكرنتينا»، فإن نحو 30% منها (نحو 150 نوعاً) تشهد انقطاعاً دورياً على مرّ السنة.
مصادر في إدارة المركز تجنّبت، في اتصال مقتضب مع «الأخبار»، عرض لائحة الأدوية المقطوعة، وقلّلت من شأن الأزمة، وأكّدت أن «المُشكلة ستُحلّ اليوم (أمس)... والوزير وعد بذلك». فيما وصف مُطّلعون على الملف ما يحصل بـ «الأزمة غير المسبوقة». ولفت هؤلاء إلى الأكلاف الباهظة، صحياً ومادياً، التي يُرتّبها انقطاع الأدوية على المريض ووزارة الصحة معاً. إذ أن «عدم حصول المريض على جرعاته في الوقت المحدّد، لا يؤثر في مسار علاجه فقط، بل يستدعي في ما بعد تأمين جرعات مضاعفة له، ما يعني تضاعف كلفة العلاج على الوزارة».
مصادر وزارة الصحة رفضت وصف الأزمة بـ «غير المسبوقة»، ولفتت الى أن الأدوية، قبل تسلّم الوزير غسان حاصباني مهماته، كانت تنقطع أحياناً بشكل نهائي، فيما «بات الانقطاع يحصل بشكل متقطع ودوري وتتم معالجته خلال فترات متقاربة». وأشارت الى أن وزير الصحة طالب مرات عدّة برفع اعتمادات بند الدواء لمنع تكرار الأزمة. ولفتت إلى أن العجز في موازنة الدواء سجّل عام 2016 (قبل تسلمّ حاصباني الوزارة) نحو 85 مليار ليرة، «وقد تمكّن الوزير من خفضه إلى 38 ملياراً عام 2017».
وإلى الـ 38 ملياراً، وصل العجز في الموازنة هذا العام إلى نحو 37 مليار ليرة. هذا العجز المُزمن تسبّب، ولا يزال، بأزمة انقطاع دوري في أدوية السرطان والأمراض المُستعصية التي تؤمنّها الوزارة مجاناً للمرضى الذين يُعالجون على نفقتها. أمّا الأسباب الكامنة خلفه فأهمها استيراد الأدوية بأسعار تجارية باهظة وعدم مراقبة آلية توزيعها وغياب سياسة دوائية ترعى ضرورة إصلاح سوق الدواء.
رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان أعلن، أول من أمس، أن اللجنة وافقت مبدئياً على اقتراح القانون المعجّل المُكرّر بتأمين 75 مليار ليرة بهدف إقفال العجز في موازنة الدواء منذ العام الماضي، على أن يعرض البند على الجلسة التشريعية التي يعقدها مجلس النواب الشهر المقبل. بعد إعلان كنعان، التقى حاصباني أمس ممثلي شركات الأدوية للاتفاق على إعادة «ضخّ» الأدوية في المركز. ولكن، ألم يكن بمقدور هذه الشركات تأمين الأدوية بـ «الدّين» إلى حين إقرار الاعتمادات وسدّ العجز؟ تجيب مصادر الوزارة بأن بعضها يعمد الى ذلك «بين حين وآخر».

لا ضمانات
إقرار الإعتمادات لسدّ العجز لن يُشكّل ضمانة بعدم تكرار الأزمة في ظل غياب سياسة دوائية تلحظ وجوب إعادة النظر بالأسعار الباهظة التي تقدّمها شركات الأدوية. فمع استمرار «الصيغة» الحالية لاستيراد الأدوية وعدم ضبط مراقبة توزيعها وارتفاع أعداد مرضى السرطان والامراض المُستعصية، يغدو خطر عودة انقطاع الدواء «حتمياً». وهذا يعني، عملياً، الاستمرار في خيار الرضوخ لشركات الأدوية وضمان استمرارية مصالحها في سوق الدواء الذي تُشكّل كلفته نحو 3.5% من مجموع الناتج المحلي، وهي النسبة الأعلى في الشرق الأوسط والسابعة في العالم، بحسب تقديرات مؤشر BMI العالمي حول الأدوية والرعاية الصحية (business monitor international).
عدم حصول المريض على جرعاته في الوقت المحدّد يرتب أكلافاً إضافية على الوزارة


يشار إلى أنّ كلفة الدواء في لبنان توازي نحو 49% من مجموع الفاتورة الصحية، فيما تبلغ قيمة مبيعات سوق الدواء اللبناني سنويا نحو 1.4 مليار دولار. والرقم مرشّح للإرتفاع في حال بقي الوضع على ما هو عليه إلى نحو 2.21 مليار دولار عام 2021. هذه الكلفة الباهظة سببها الاعتماد على الادوية التجارية الغالية وعدم تشجيع صناعة الدواء المحلي او اعتماد الأدوية البديلة التي تحمل التركيبة نفسها، فضلا عن عدم لجوء الدولة الى استيراد الادوية بنفسها (أي التفاوض مع البلدان المصدرة للدواء من بلد الى بلد وليس عبر الشركات الخاصة).
بحسب أرقام «الصحّة»، فإنّ نحو 25 ألف مريض يستفيدون من الدواء مجاناً على نفقة الوزارة، فهل يترك هؤلاء عرضة لابتزاز شركات الأدوية من دون سياسة تؤمن لهم الأمان الصحي المنشود؟