لم ينتهِ ملفّ استملاكات مشروع إنشاء سدّ وبحيرة جنّة في منطقة نهر ابراهيم (جبيل). أُتبع مرسوم الاستملاك الصادر عام 2009 قبل فترة بـ «ملحق» يستهدف ما بقي من بيوت وسكّان في بلدة جنّة. بعد إزالة القسم الأوّل من البلدة وإخلاء معظم السكان منازلهم، فوجئ أهالي القسم الآخر منها قبل نحو ثلاثة أشهر بأن الاستملاكات «تتوسّع نحوهم». يرفض الأهالي قرار الاستملاك «جملة وتفصيلاً»، وقد نظّموا لهذه الغاية وقفة احتجاجية قبل يومين، ويُعدّون لمزيد من التحرّكات، ملوّحين بأنّهم «لن يخرجوا من نظام عيشهم» إلى نمط جديد «لا تفيه أي تعويضات». أُلحق هذا القسم من البلدة بمشروع الاستملاكات ويهدّد «نحو 30 أسرة ومنزلاً إضافة إلى استراحات على ضفة النهر يعتاش منها الأهالي»، بحسب المختار هيثم الحاج حسن. يتوجّس السكان من «عدم إنصافهم» في ملف الاستملاكات، ويتمثّل مطلبهم الأساسي «بالعدول عن القرار» العائد إلى مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان. «ستُزال القرية بالكامل» يقول المختار، بعدما أزيل قسم من بيوتها ومزارعها «رح يكفّوا على الباقي».

بدأت معاناة أهل جنّة مع إنشاء السدّ قبل سنوات منذ بدء أعمال الحفريات فيه. «تحمّلنا الغبار وضجيج الحفريات وتضرّرت مواسمنا الزراعية والسياحيّة» يقول الحاج حسن، مضيفاً: «اعتقدنا أن المسألة لن تطول، وتبيّن اليوم أنهم ينوون إخراجنا من بيوتنا». تبلّغ الأهالي قرار استكمال الاستملاكات قبل نحو ثلاثة أشهر، ويرفضون اليوم السماح للجنة استملاك جبل لبنان بمتابعة عملها، لأن مقاربتها الأوليّة «لم تكن دقيقة». علِم الأهالي أن القاضي جان فهد الذي يرأس اللجنة «مستعدّ لمقابلتنا والاستماع إلينا»، لكن المعضلة في مكان آخر بالنسبة إلى مختار جنّة جان أبي عكر، إذ يسأل: «لماذا لا يأتون إلينا، ليتبيّنوا عن قرب معاناتنا، لكوننا سكان قرية ولن تكون لنا حياة بديلة خارجها؟». يتخوّف السكان من البقاء تحت جسم السدّ الضخم بعدما سمعوا بتقارير تشير إلى احتمال حصول انهيار، وتنصح بإبعاد السكن عنه. لكنّهم ــ في المقابل ــ لا يعرفون السبب الحقيقي «وراء توسيع الاستملاكات»، لكونهم بعيدين عن السدّ نسبياً. يرجّحون أن المسألة متعلّقة بالردميات أو بتحويل أرضهم إلى «ستوك»، إلى حين انتهاء الأعمال، وهنا يسأل أبي عكر: «لم لا نخرج إلى حين انتهاء الأعمال مقابل تعويضات ونعود إلى أرضنا من دون أن يملكوها؟». يتخوّف أهالي البلدة من أن يصبحوا «شحّادين خارج ضيعتنا». يرفضون الرحيل و«محو تاريخنا وذاكرتنا»، لكنّهم في الوقت عينه قد يرضخون «للأمر الواقع» بحثاً عن مستقبل لا يتهدّده بناء سدّ.

ثلاثون أسرة ومنزلاً يتهدّدها ملحق الاستملاك، إضافة إلى استراحات يعتاش منها الأهالي

«سيزول الجامع والكنيسة ومقابر أهلنا والحسينيّة وبيوتنا»… والهاجس الأكبر في إمكانية «التفتيش عن عيشة بديلة». يريدون تعويضات «منصفة وعادلة لا يجري تقويمها على أساس متر الإسمنت أو الأرض»، بل قياساً على طريقة عيشهم من الزراعة والسياحة والاستراحات على ضفّة النهر. يأملون تقويم التعويضات على أساس «الأسرة والوحدة السكنية، وليس لقاء الملكيّة»، ليتمكّنوا من البحث عن مأوى خارج الدائرة الاقتصادية والمعيشيّة التي بنوها لأنفسهم على مدى سنوات. يحتسبون ما يمكن أن تقدّمه التعويضات، «إذ تبلغ مساحة أكبر بيت في القرية نحو مئة متر مربع»، وعبر احتساب الحدّ الأقصى للتعويضات، فإنها لن تسمح للسكان بـ«شراء شقّة في جبيل» أو إنشاء حياة بديلة خارج قريتهم. لم تعترض الأحزاب الوازنة في المنطقة على البدء بالحفريات «بالتراضي» مع البلديات «حتى قبل استكمال الاستملاكات المطلوبة»، وهو ما تفيد به مصادر حزبيّة إلى «أنها حريصة على السد، لكن لقاء تقديم تعويضات عادلة للسكان». إلى اليوم، تقاضى الأهالي عن سنة 2017 بدلات زهيدة عن الأضرار التي لحقت بمحاصيلهم من جراء أعمال الجرف، وبالمقاهي التي «اخترب» موسمها الصيفيّ. لكن غير ذلك «لا شيء». حتى هذه البدلات «توقّفت» مع تغيّر رئيس مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، لأنها «غير قانونية». هكذا قيل لسكّان جنّة، الذين لا ينفون أن للمشروع «إيجابيات كمرفق حيوي وإنمائي للمنطقة». لكنه مثل أي مشروع له أضرار جانبيّة هم المتضرّر «الأكبر» منها.